محمد غازي عرابي
910
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
ويتم الانتقام الإلهي عن طريق الإضلال ، وهذا ما كنا بحثناه في موضوع المكر الإلهي الذي هو المكر الحقيقي والغالب القاهر ، فاللّه قاهر في الضلالة والهدى وفوق الضلالة والهدى ، ولا يوجد ثان في وجوده الواحد ، ولهذا فإذا انتقم اللّه كان انتقامه قاهرا لأنه ما من أحد يستطيع دفع هذا الدفع الباطن القاهر . [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 38 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 38 ) [ الزمر : 38 ] قوله سبحانه : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ذو نكتة ، والنكتة هي المسألة الدقيقة التي يتوصل إليها بإمعان الفكر ، ولا مارك يقول إن الزرافة لم يكن لها عنق طويلة ، لكنها حين أرادت الوصول إلى أعالي الأشجار جعلت تمد عنقها حتى طالت ما تريد ، والطبيعيون يقولون إن أم فراخ الطيور إذا هددت فراخها برزت للعدو ، وتظاهرت بأن جناحها مكسور ، وتباطأت في طيرانها ، فتغري العدو باللحاق بها للظفر بها ، فتبعده بذلك من عش فراخها . . . وكذلك يقولون إن سمك السلمون حين يريد أن يبيض ينتقل من البحر إلى الأنهار ، ويسبح ضد التيار ، ويقفز فوق الصخور والشلالات ، ويهلك نصفه حتى يصل إلى بقاع من المياه الضحلة كان قد فقس بيوضه هو فيها ، فيضع بيوضه ويلقحها ثم يموت بعشرات الألوف ، فعلماء الطبيعة عندما أنكروا وجود الخالق لم يجدوا إلا المخلوق ، فجعلوا له إرادة ، وإرادة واعية أيضا تعلم ما تريد ، وتحقق ما تريد . . أي أنهم جعلوا للحيوان غير العاقل عقلا ، لأن كل إرادة واعية أصلها العقل وإلا لما اتصفت بالوعي ، وتظهر الدراسات الحديثة أن ثمت قوانين طبيعية واحدة ثابتة للنبات والحيوان والجماد كالزلازل والبراكين وتركيب الصخور وتشكيلها بالإضافة إلى علم الفضاء الذي يكشف عن وجود قوانين للكواكب تتقصاها العلماء ، ويحاولون الاهتداء بهديها إلى أسرار الفضاء . . وهذا كله يدل على أن العلماء وجدوا أنفسهم مرغمين على الرجوع إلى طبيعة عاقلة هي هذا الوجود الظاهر ، ولما كانت الطبيعة غير عاقلة كما هو معلوم ، وكما تعترف العلماء أنفسهم بذلك ، كانت النتيجة أن العلماء أقروا بوجود عقل للطبيعة واحد ذي قانون واحد ، فما عقل الطبيعة الواحد ذو القانون الواحد ؟ الآية تقول إنك إن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن اللّه ، والجواب كناية ، له معنى بعيد ، هو أن من لا يعترف بوجود اللّه فهو مضطر رغم ذلك إلى الاعتراف بالعقل الكوني ، وإقرارهم هذا اعترافهم باللّه طوعا أو كرها ، ما دام اللّه هو العقل الكلي الواحد الفاعل ، يقول ميلر : هذا الإله الذي هو قوة الإنسان ليس إلها مسيحيا ، ولا إلها وثنيا ، إنه إله