محمد غازي عرابي

911

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

يستطيع بلوغه كل جنس وطائفة وثقافة . . . إله يمكن أن يوجد في كل مكان ، وفي كل زمان ، بدون حاجة إلى الوساطة ، إنه الخلق نفسه ، وسيظل موجودا سواء آمن الإنسان أم لم يؤمن . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 39 إلى 40 ] قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 39 ) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 40 ) [ الزمر : 40 ، 39 ] كل ما في الوجود ذو مكانة ، وهو عامل على مكانته ، وهذا ما يقتضيه نظام الوجود نفسه ، وإلا كانت الفوضى قانون الوجود ، والوجود والفوضى لا يتفقان ، والخظاب الإلهي خطاب سابق على الوجود لاحق ، علما أن اللّه لا زمان له ليكون سابقا أو لاحقا ، فالخطاب دائم داخل في الجبروت الذي هو قوام الحياة . والآية تقول إن لكل إنسان مكانة ، ومكانته صفته ، وصفته قديمة قسمت له من قبل أن يكون ، فهي عليه سابقة ، وهو بها لاحق وعليها عامل ، وكنا قد شبهنا الإنسان بالبوق في كتابنا الإنسان الكبير ، فالإنسان البوق ينفخ اللّه في أوله فيصوت الإنسان في آخره ، والناس كلهم أبواق إلهية ، وبهم تعزف الموسيقى الكونية وفق قواعد لا خروج عليها كما لا يخرج العازفون على اللحن المكتوب في النوتة الموسيقية . وقوله : فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يفيد العلم المطلق والعلم المقيد ، والعلم المطلق هو للعارفين باللّه ، انفكوا من أسر العالم فبلغوا المطلق وسمعوا موسيقاه فعرفوا فخشعت قلوبهم لذكر اللّه واطمأنت ، وأما المقيد فهو المقيد بالصفة وما دام كل إنسان ممثل صفته فالنتيجة أن الناس كلهم عالمون ، كل حسب اختصاصه وصفته ، قال سبحانه : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 41 ] إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 41 ) [ الزمر : 41 ] ليس النبي على أحد بوكيل ، وما النبي إلا مبلغ رسالة ربه ، وهو النذير والبشير ، وما النبي إلا داعي الحق يدعو الناس إلى الحق ، فمن اهتدى لنفسه ، أي من نفسه وبنفسه حسبما تقتضي الصفة ، ومن ضل فإنما يضل عليها ، أي من نفسه وعلى نفسه حسبما تقتضي صفة الضلالة نفسها ، ولهذا قالت الصوفية إن اسمه تعالى المضل لا بد له من تحقق ووجود وإلا لما كان اسما ، فالمضل اقتضى وجود الضالين ، وأخفي الاسم في الفاتحة من قبيل الأدب . [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 42 ] اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 42 ) [ الزمر : 42 ]