محمد غازي عرابي

887

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 149 إلى 157 ] فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ( 149 ) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ ( 150 ) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 152 ) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ( 153 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 154 ) أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 155 ) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ( 156 ) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 157 ) [ الصافات : 149 ، 157 ] الوجود شطران فاعل ومنفعل ، والفاعل الحق ومن معه من المعقولات والأنوار الشريفة ، والمنفعل الخلق ومن معهم من موجودات العالم الحسي الذي هو مرآة تعكس الأنوار الإلهية ، وعلى هذا فلا يمكن القول إن الملائكة إناث ، وسبق لنا الحديث عن هذه المسألة من قبل ، كما لا يمكن القول إن الحق والد يلد ، ويصر ابن عربي على نفي العالم الحسي ، وهو يلحقه جملة وتفصيلا باللّه ، فلا يكون من موجود بحق سوى الحق وآلاته ، وما هذه الحركة في العالم الظاهري سواء على مستوى الظاهر أم على مستوى الباطن سوى نتاج الواحد القهار . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 158 إلى 170 ] وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ( 158 ) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 159 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 160 ) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ( 161 ) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ( 162 ) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ ( 163 ) وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ( 164 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ( 165 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ( 166 ) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ( 167 ) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 168 ) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 169 ) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 170 ) [ الصافات : 158 ، 170 ] الجنة بكسر الجيم من جن ، وجن استتر ، فالجنة ما استتر من عالم العيان ، والإشارة إلى الصوت الخفي الذي هو قوام كل حوار ذاتي ، والآيات تقول إن الكافرين جعلوا بين اللّه والجنة نسبا وهذا شرك ، لأن أنوار المعقولات التي لها الصوت الخفي إن كان لها نسبة إلى اللّه فنسبتها إليه نسبة النور إلى النور ، ونور المعقول إضافي قائم بالنور الأصيل ، فهو منبثق منه ، صادر عنه ، ولهذا كان هذا النور بذاته ، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا . والأنوار المضافة ذات مقام معلوم كما جاء في الآية الرابعة والستين ، ذلك لأن للنور الأول القائم بنور الأنوار المكانة العلية ، وهي للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم الذي لما تجاوز في معراجه سدرة المنتهى ، وقرب من نور الأنوار ، تأخر عنه جبريل قائلا : لو تقدمت أنملة لاحترقت ، فأول ما صدر عن نور الأنوار النور الأول ، ثم الأنوار التسعة التي كنا تحدثنا عنها ، ثم أنوار الأسماء الحسنى المعقولات التي وصفت في الآية المائة والخامسة والستين بأنها صافة أي هي صفوف يتلو بعضها بعضا ، وهي جميعا ملهمة - بفتح الهاء ، ملهمة - بكسر الهاء - محدثة - بفتح الدال - محدثة - بكسر الدال ، تفعل في القلب ما يأمرها به الحق ، فالعالم هرم في رأسه النور الأول