محمد غازي عرابي

888

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

ثم يليه الصف فالصف حتى ينتهي بالمخلوقات العيانية . والأنوار الملكية مسبحة وهذا بدهي ، لأن طبيعة النور أن يتبع النور ، فهو من جنسه وماهيته ، وإذا كف النور عن الإشعاع كفت الأنوار المضافة عن الإلهام والإيحاء ، فالأنوار واسطة تكثر نور الأنوار من قبل - بكسر القاف - صفاته . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 171 إلى 182 ] وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ( 173 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 174 ) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 175 ) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ( 176 ) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ( 177 ) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 178 ) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 179 ) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180 ) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ( 181 ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 182 ) [ الصافات : 171 ، 182 ] وعد اللّه نبيه والمؤمنين النصر ، وفي صلاة العيد يردد المصلون : نصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، فالمؤمن منصور ، ذلك أن طبيعة الإيمان تقتضي ظهور النور على الظلمة ، وظهور الأسماء على متضاداتها ، ونتاج هذه العملية الذاتية الجوانية ما يقع في عالم العيان ، ولئن تأخر النصر زمنا فإنه آت لا ريب فيه ، ولقد نصر اللّه نبيه بعد كر وفر وصولات وجولات . وتحقيق النصر يتم عن طريق جند اللّه الذين هم الملائكة أيضا ، وفي الأمر نكتة ، ذلك أن هذه الأنوار تخرج ما في القبضة من قوى بما في ذلك جهنم وما فيها ومن فيها ، ولهذا قال سبحانه في وصف جهنم : وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً [ المدثر : 31 ] ، ويتساءل الإنسان : كيف يكون أصحاب جهنم ملائكة ، والملائكة نورانيون ؟ والجواب أن النور أصل النار ، ومنها نار التضاد ونار العناصر ، فقوام العالم ، بكل ما فيه هو النور ، وعلى هذا فالنصر دائم ومستمر وحقيقي ، ويتحقق عن طريق تأثير أنوار المعقولات سواء على مستوى تحقيق أسماء الجمال أو تحقيق أسماء الجلال ، كأن يكون للاسم المذل أذلاء ، وللاسم المضل ضالون ، فالملك اليوم ، واليوم هذا إلهي أزلي أبدي دائم مستمر ، هو للّه الواحد القهار ، ولهذا جاء في الآية المائة والثمانين أن العزة للّه ، والعزة الغلبة والقهر والنصر ، فإذا تحقق الموحد بهذا ذاق كأس الوصال ، فنعم من ثم بالسلام في دار السّلام آمنا مرددا أن الحمد للّه رب العالمين .