محمد غازي عرابي

871

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

إبراهيم الذي قال فيه ربه يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم . فالسلام في الإسلام له راية معقودة في ساحات الجهاد ، ولا يصل إلى دار السّلام إلا من جاز البحار العاصفة ، وورد جهنم التضاد ، فالسلام الإسلامي جزاء الإحسان الذي وعد اللّه المؤمنين المسلمين المجاهدين الصابرين الواقفين بباب اللّه يرجون رحمته . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 59 إلى 64 ] وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ( 59 ) أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ( 62 ) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 63 ) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 64 ) [ يس : 59 ، 64 ] من كان الشيطان قرينه فساء قرينا ، والأمر متعلق بوسوسة الصدر ، حيث قال اللّه سبحانه : مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ ( 4 ) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) ، ومن كان الشيطان قرينه فهو ضحية هذه الوسوسة التي هي نار وسقر لا تبقي ولا تذر ، وكثيرون هم ضحايا الوسوسة ولا يعلمون ، يعلمون ظاهرا من الأمر ، وهم عن الحقيقة غافلون ، يسري فيهم الداء الأكبر وهم جاهلون ، سلام قولا من رب رحيم ، سلام قولا من رب رحيم ، سلام قولا من رب رحيم . [ سورة يس ( 36 ) : آية 65 ] الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 65 ) [ يس : 65 ] في كتابينا الإنسان الكامل والإنسان الكبير بينّا كيف تكون الحواس ظاهرة وباطنة في خدمة الإنسان ولكنها ليست الإنسان ، والآية تكشف هذه الحقيقة حيث يطلب اللّه إلى الأيدي والأرجل أن تشهد على صاحبها بالحق ، وهل استخدمها للحق أم للضلال ، فالحواس مطية ، وهي ضعيفة في الطفل ثم تنمو وتقوى حتى تبلغ أشدها ، ثم تصير إلى ضعف ثانية ، وصاحبها فارس يمتطي فرسه التي تحقق أربه وتبلغه مأمنه ، أو تقعد به في الطريق ، فالإنسان ليس حواسه ، والحواس ليست الإنسان ، والحواس للّه هي من جنده المسخرين للإنسان . [ سورة يس ( 36 ) : آية 66 ] وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ( 66 ) [ يس : 66 ] الأعين جمع عين ، والعين الصفة ، والصفات للّه ، وهو الرابط على قلب الإنسان ، والقلب مستودع الصفة ، فالإنسان ليس إلا صوت الصفة ، وهو لسانها وترجمانها لا غير ، ولهذا كان الإنسان وسيلة ظهور للّه ، وللّه الأمر من قبل ومن بعد ، فاللّه يلهم العين ، والعين تمهد الصراط ، والناس يستبقون الصراط بإلهام أعينهم ، وهكذا يكون سبحانه الهادي المضل والنافع الضار .