محمد غازي عرابي
872
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة يس ( 36 ) : آية 67 ] وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ( 67 ) [ يس : 67 ] المسخ رد القلب إلى النفس الأمارة وجعله في قبضتها وهي ذات القوى الغضبية والشهوية ، قال جلال الدين الرومي : العقل الذي يفر من عقل العقول ينتقل من مرتبة العقل إلى مرتبة الحيوان ، وقال سبحانه : هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [ الفرقان : 44 ] . [ سورة يس ( 36 ) : آية 68 ] وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ ( 68 ) [ يس : 68 ] النكس قلبي ونفسي ، فالنفسي المتعلق بالنفس المادية التي هي صورة الجسد فلا انفكاك لها عنه ، ولا وجود لها إلا به كما قال أرسطو . ومن يعمر نفسيا ينكس في الخلق أي يرتد ضعيفا كما بدأ ، والسبب أن النفس ميزان الجسم ، ولما كان أصحاب النفوس المادية أسرى الزمان والمكان ، وهذا حال الناس الغارقين في اللذات ، السادرين في ضلالة العالم الحسي ، حتى إذا ضعف الجسد وانهاروا هم معه ، إذ لا تمتد أعينهم إلى أبعد من عطاياه ، فإذا غارت مياهه فمن يأتيهم بماء معين ؟ ويلح أصحاب النفس المادية على أن تأتيهم أجسادهم بلذات جديدة ويستعينون بالمنشطات من الأدوية والأغذية لتقوية ما قد ضعف ولكن هيهات . أما النكس القلبي فخاص بالعارفين ، وسببه انكشاف الأمر ومعرفة السر القلبي الذي يجد الإنسان فيه أناه هباء منثورا ، قال أبو العباس السياري : ليس في المشاهدة لذة ، لأن المشاهدة فناء لا لذة فيه ولا التذاذ ولاحظ ولا احتظاظ ، فالنكس القلبي على مستوى الأنية تضحية بالأنية وتسليم بأن اللّه هو الهوية ، وما الإنسان إلا خيال وشبح ووهم وسراب ، ومع هذا فلهؤلاء العوض كما قال عبد الكريم الجيلي . [ سورة يس ( 36 ) : آية 69 ] وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 ) [ يس : 69 ] ثمت فرق بين القرآن والشعر ، فالشعر قد يكون مصدره الشعور والوجدان ، ولهذا سمي شعرا ، وقد يكون مصدره العقل كما حين يريد الشاعر أن يمدح أحدا من الناس فينظم الشعر في مناقبه ، وقد يجعل فيه ما ليس موجودا ، وقد يبالغ كثيرا ، وقد يفعل النقيض تماما عندما يريد أن يهجو أحدا ، فيرميه بما لا يتصف به ، ويعيب عليه ما ليس فيه ، فهذا شعر صادر عن الفكر والإرادة ، فالشعر ضروب منه الجميل ومنه القبيح ، ومنه الرفيع ومنه الوضيع ومنه المتكلف ، ومنه الصادر عن السجية والعفوية ، وقال سبحانه : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً .