محمد غازي عرابي
870
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 51 إلى 54 ] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ( 51 ) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ( 52 ) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ( 53 ) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 54 ) [ يس : 51 ، 54 ] الصور القرن ، وهو ما ينفخ فيه ، والنتاج موسيقى ، وفي الحديث عن الموسيقى عودة إلى الروح ولغة الموسيقى التي هي أم اللغات ولغة الشعور والوجدان ، فالموسيقى جامعة ، وفي الحديث عن اختلاف الألسنة الذي ورد ذكره من قبل بينا أن أصل الكلام موسيقى ، وأن الكلام نفسه موسيقى ، وأن لغة الوجود كله موسيقى تتألف من موسيقى الأفلاك والأجرام وأصوات الحيوانات والطيور . فالموسيقى هي الفاعلة ، وتشير الآية إلى أن الناس هم في الأجداث ، والجدث البدن ما دام البدن الحاوي للنفس والروح ، ولهذا فإن ما يحرك الإنسان في جسمه ، وما يحرك جسمه هي الموسيقى التي أشير إليها بالصور ، ولقد اهتم المعلم الثاني الفارابي بالموسيقى واشتهر بها ، وعرف مداها وفعاليتها ، حتى ذكر أنه دخل يوما مجلس قوم ، فأخرج خارطة ، وضرب عيدانها فضحك كل من في المجلس ، ثم فك العيدان وأعاد تركيبها وضربها ثانية فبكى كل من في المجلس ، ثم فك العيدان وأعاد تركيبها وضربها فنام كل من في المجلس ، فتركهم نياما وخرج . وأنشد جبران أعطني الناي وغن فالغنا سر الوجود * وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 55 إلى 57 ] إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ( 55 ) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ ( 56 ) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ ( 57 ) [ يس : 55 ، 57 ] قالت رابعة مساكين أهل الجنة ، هم في شغل وأزواجهم . ورابعة صوفية عاشقة ربها ، هاجرت إليه محبة حتى عرفته ، فلما عرفته أنكرت على الناس ما هم فيه ، وحثتهم على أن يطلبوا ربهم حتى يعرفوه . وأصحاب الجنة توقفوا عن كشف الصفات دون أن يتموا الهجرة إلى كشف الذات ، وهؤلاء مشغولون بصفاتهم والتحلي بها ، وشغلهم هذا هو الذي قعد بهم عن متابعة العروج إلى اللّه . قال فريد الدين العطار : لقد نمتم في وادي الصفة . [ سورة يس ( 36 ) : آية 58 ] سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ( 58 ) [ يس : 58 ] السّلام شعار الإسلام وله لطيفة ، ذلك أن الإنسان خلق في أحسن تقويم ، ثم رد أسفل سافلين إلا الذين آمنوا ، والسّلام رهن بالوصول إلى دار السّلام حيث كعبة الصدر ومقام