محمد غازي عرابي
869
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
المظهر البشري ، وفي كتبنا السابقة شرحنا وكشفنا كيف يكون الإنسان وسيلة للظهور ، فعند انكشاف حقيقة الاسم الظاهر تفنى هذه المظاهر ولا يبقى إلا الأحد القاهر . [ سورة يس ( 36 ) : آية 41 ] وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 41 ) [ يس : 41 ] تحدثنا من قبل عن الفلك المشحون أي المملوء ، والحقيقة أن العالم كله مشحون بما شحن به الفلك ، أي المعقولات جند اللّه المتصرفة في الجماد والنبات والحيوان وفي قلب الإنسان ، فليس ثمت سوى مليك مقتدر وجند له يفعلون ما يشاء وبأمره . [ سورة يس ( 36 ) : آية 42 ] وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ( 42 ) [ يس : 42 ] المثل الذي يركبه الإنسان جسده ، فلئن كانت المعقولات ، أي اسم اللّه الباطن ، تحمل الإنسان من باطنه ، فإن جسده الذي هو من اسم اللّه الظاهر ، يحمله من ظاهره ، والعارفون عرفوا هذا ذوقا فقالوا إلى اللّه ترجع الأمور ، وما نحن إلا أدوات للظهور . [ سورة يس ( 36 ) : آية 43 ] وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ( 43 ) [ يس : 43 ] الغرق يتم عن طريق جنود الاسم ، ولهذا كان لكل من أسمائه تعينات تظهر به ، وتخضع له ، وهذا الخضوع هو نتيجة القهر والمكر ، وهو تحقيق المشيئة الإلهية التي لها الأمر . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 44 إلى 46 ] إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 44 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 45 ) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 46 ) [ يس : 44 ، 46 ] ما دام الناس مظاهر الأسماء فهم كلهم غرقى إلا من رحم اللّه منهم ، ولقد بينا كيف يكون الإنسان سجين اسمه ، ما دام هو محل الإلهام لا غير ، فالتابع يتبع المتبوع . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 47 إلى 50 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 47 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 48 ) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ( 49 ) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ( 50 ) [ يس : 47 ، 50 ] الإنفاق معرفة النفس وسرها وردها إلى اللّه مولاها ، كما ضحى إبراهيم عليه السّلام بولده ، لأن النفس وديعة إلهية لدى الإنسان ، وليست هي الإنسان ، فإذا ردها إلى بارئها رحم ، وتتحقق الرحمة من طريق النفوذ من أقطار سماوات المعقولات وأرض المحسوسات إلى رحاب اللّه حيث لا زمان ولامكان ولا صفات ، قال البسطامي لما سمع حديث رسول اللّه : لا صباح عند ربكم ولا مساء : وأنا أيضا لا صبح لي ولا مساء ، لأن الصبح والمساء من صنع الصفة ، وأنا لا صفة لي .