محمد غازي عرابي
825
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
دخل فيها ) ، ووصف البسطامي عدم دوام هذا اللقاء قائلا : إذا رآه العارفون جعل لهم سوقا ما فيه بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء ، فمن دخل منهم السوق لم يرجع إلى زيارة اللّه أبدا . فالقصد تعرف اللّه وأين هو ، فإذا تم التعارف والتعرف رجع اللّه إلى صوره لأنه لا انفصال له عن الصور ، ولا ظهور له إلا بالصور ، فالصور الطريق إليه والدلالة عليه ، وكون هذه الصور حية متحركة نشطة مريدة فعالة دلالة أيضا على من جعل هذه الصور حية متحركة بث فيها الحياة ووهب لها السمع والأبصار والأفئدة ، وجعل أصحابها يسعون في طلب رزقهم من عالم العيان . أما اللقاء الدائم فهو الحضرة الجامعة حيث يتحقق الفناء التام ، وسمي هذا المقام المشاهدة ، وفيه تفنى الذات الجزئية بأن يغرق الجزئي في بحر الكلي فلا يعود ثم أحد ، ولا يبقى إلا الأحد ظاهرا باطنا ساكنا متحركا صامتا ناطقا موحيا ملهما قائما بذاته ولذاته ، سبحانه هو القائل : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها [ الزّمر : 69 ] والقائل : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) أنشد ابن الفارض : وفي الصحو بعد المحو لم أك غيرها * وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت وما زلت إياها وإياي لم تزل * ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت وأنشد أيضا : فلو كشف العّواد بي وتحققوا * من اللوح ما مني الصبابة أبقت لما شاهدت مني بصائرهم سوى * تخلل روح بين أثواب ميت وأنشد عبد الغني النابلسي : أشار سري إليك حتى * فنيت عني ودمت أنت محوت اسمي ورسم جسمي * سألت عني فقلت أنت [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 45 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 45 ) [ الأحزاب : 45 ] النبي جامع بين الشريعة والحقيقة ، وهو لكلتيهما مظهر ، فهو للحقيقة نور أول كما جاء في حديثه إلى جابر : أول ما خلق اللّه نور نبيك يا جابر ، ولهذا كان عليه السّلام شاهدا ومشاهدا وذلك بسبب كون نوره نور القلوب ومقلبها وحامل الأسماء والمتصرف فيها عطاء من ربه غير مجذوذ ، فما غاب لحظة نور النبي عن العالم وما زال ، ولهذا قال عليه السّلام : أنا حي في قبري ، ولهذا أرسل عليه السّلام للناس أجمعين ورحمة للعالمين ، أي لم يخص بأمة دون أمة ،