محمد غازي عرابي

728

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

منذ تفتق وعيه وحتى ساعة موته ، وخوف النملة من سليمان له نكتة بل قصة ، ذلك أن الإنسان الكامل يجمع البحرين ، بحر المطلق وبحر التعين ، ومع أن في كل إنسان هذين البحرين إلا أنه محجوب عن وعي وجودهما . . أما سليمان الذي علم منطق الطير فلقد علم كيف يجمع الإنسان بين التعين والإطلاق ، وقول النملة محذرة النمل سليمان يعني أن جانب المطلق من الذات يحطم جانب التعين ، لأن التعين جانب من جوانب المطلق ، وما التعين إلا إطلاق لا بشرط الإطلاق كما قال السهروردي ، ومن معاني النملة في اللغة أحد شقي حافر الدابة ، فإذا كانت الدابة هي الفكر لأن الفكر يحمل الإنسان ، فإن النملة تمثل شقا واحدا من شقي حافر الدابة ، أي أن حافر الدابة الكلية له الإطلاق والتعين كما أسلفنا الكلام ، وعليه فالفكر يكون كما قال جلال الدين الرومي : أيها المتعشق لعقله ، إعلم أن نور حسك قبس مستعار من نور العقل الكلي ، إنه ذهب أشرق فوق نحاسك . فالفكر الإنساني مزيج من الإلهي والحسي ، ولولا الفكر الإلهي ما مارس الفكر الحسي عمله ، ولولا الفكر الحسي ما مارس الفكر الإلهي قواه وإمكاناته ، قال ابن عربي : فالعين منه والنعت منا * فنحن لا وهو ذو ظهور وأنشد أيضا قائلا : فلولاه ولولانا * لما كان الذي كانا فأعطاه ما يبدو * به فينا وأعطانا فصار الأمر مقسوما * بإياه وإيانا فأحياه الذي يدري * بقلبي حين أحيانا وقال جلال الدين الرومي : خيالي مقيم في قلب السلطان ، ولكن قلب السلطان من غير خيالي سقيم . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 19 ] فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) [ النمل : 19 ] النعمة الدخول في العباد الصالحين ، وفي قراءة الآية يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) قرئت أيضا فادخلي في عبدي ، والإشارة إلى مقام العبودة الصوفي الذي تكون الكثرة كلها فيه جسما كليا أي عبدا كليا للّه يمتثل الأوامر الصادرة عن إشعاعات الواحد الأحد . ووالدا سليمان إشارة إلى الروح والنفس ، وكنا قلنا إن الروح فاعل والنفس منفعلة ، ومنها ولد سليمان الهيكل المتعين ، فسليمان مثل دابة الأرض التي يخرجها اللّه لتكلم الناس .