محمد غازي عرابي

727

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

والأصل الرجوع إلى الأنا المطلقة الحاوية للأنيات جميعا حيث تذوب الأجزاء في كليات ، وتذوب الكليات في عقل كلي مطلق هو معنى قوله تعالى لا إله إلا اللّه ، وقوله : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] ، قال جلال الدين الرومي : من يطرق الباب بأنا ونحن فإنه يرد عن الباب ويعلق بالنفي والعدم . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 15 إلى 18 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 ) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) [ النمل : 15 ، 18 ] داود وسليمان عليهما السّلام رمزا العقل الجزئي في عروجه من حضيض النفس إلى ملكوت الحقيقة والسر ، والحقيقة أن الحقيقة واحدة في الإنسان ، فما يسمى العقل والقلب والنفس والروح إنما هي درجات للتمييز والإدراك عند الناس ، وبتفاوت حظوظهم من هذا الإدراك يكون المقام والاسم . فالنفس خسيسة لقربها من الحضيض أو كما قال سبحانه في أسفل سافلين ، والقلب متقلب لكونه وسطا بين علو وسفل ، والعقل بينهما هو مع هذا وذاك ، أما الروح فهو المنزلة العالية غنية بمقاماتها السنية ، لها وزر التبعة وحلاوة الاتصال ، فمن وصل مقام الروح كان وليا للّه وللعباد ، يأخذ من فوقه عن ربه ، ويعطي من تحته ، فالأصل واحد في الشفافية واللطافة والدرجات أسماء . وسليمان الذي ورّث داود العقل بعد أن رقى إلى فلك الروح فصار ممثل الروح كما كان يحيى وعيسى عليهما السّلام ، ومنطق الطير منطق الأرواح ، وللشاعر الصوفي فريد الدين العطار كتاب سماه منطق الطير ، وفيه وصف هجرة للطيور إلى اللّه ، لا يصل منها سوى ثلاثين طيرا يتبين لها أن حقيقة الثلاثين طير واحد فقط هو ( السيمرغ ) وهو طائر أسطوري يقابله العنقاء في العربية ، والمعنى كما ذكرنا الواحد الذي هو أساس الكثرة والذي منه الإشعاع والمخرج وفيه المدخل والمصب . وجنود سليمان الخواطر بشقيها السعيد والشقي ، والخواطر الجنود من الجن ، أما جنود الإنس فهم الناس أنفسهم ، إذ أن سليمان هو تعين الإنسان الكامل الواحد ممثل النوع والناس أجمعين . ووادي النمل إشارة إلى وادي الخواطر والنشاط العقلي ، وضرب النمل مثلا لهذا النشاط لأن النمل اشتهر بدأبه في العمل وجمع المؤونة ، ومثله مثل الفكر المفطور على طلب العلم