محمد غازي عرابي

15

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الخطاب موجه إلى أهل الظاهر ، أي إلى الكثرة ، ورمز إليهم ببني إسرائيل الذين عبدوا المظاهر عندما اتخذوا العجل الذهبي إلها والعجل ولد البقرة ولما كان عجلا ففعله ما زال بالقوة . . والإشارة إلى ما للعقل من قوى وإمكانات مركوزة فيه ، وما إن يراهق العقل البلوغ حتى تمارس هذه القوى عملها ، والسؤال هو : من أين أتت هذه القوى ومن الذي ضمنها العقل ؟ إننا نرى ظاهرة الفكر الإنساني الذي تميز به عن بقية المخلوقات ، وبه ساد الإنسان العالم ، ولكن عندما يرد الإنسان عقله إليه فقط ، غير معترف باللّه له خالقا ، فإنه يكون من أهل الحجاب ، ويكون مثل خراف بني إسرائيل الضالة . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 51 إلى 53 ] وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 51 ) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 ) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 53 ) [ البقرة : 51 ، 53 ] الأربعون ليلة مدة الخلوة التي يدخلها المعتكف فيخرج منها عارفا باللّه ، وفيها تلقى موسى ألواح المعرفة الإلهية والحكمة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 54 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) [ البقرة : 54 ] حذر موسى عليه السّلام قومه من اتخاذ العجل إلها يعبد ، وذكرهم بالبارئ الذي يبرئ الإنسان مما يضله ، وقال سبحانه في موضع آخر : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ [ التوبة : 111 ] ، فهذه اللطيفة هي الوديعة التي استودعها اللّه الإنسان ، وهي العارية التي أعاره إياها ، فنفسك ليست لك ، وإن بدت أنها لك ، وأنت لست لها ، وإنما أنت مخلوق لتعبد اللّه وتعرفه من خلال نفسك . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 55 إلى 56 ] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 ) [ البقرة : 55 ، 56 ] قضية رؤية اللّه جهرة ، أي عيانا ، من أكبر القضايا التي فصلت بين المؤمنين والكافرين ، فلو لا هذه القضية ما كان هناك مشكلة أصلا ، فلو كان اللّه يرى عيانا لبت الأمر وقضي فلا خلاف ، والأصل في أن يكون ثمت خلاف . والصاعقة التي أخذت القوم من الصعق ، أي الإبادة ، والإشارة إلى باطن الأمر الذي لو كشف لعرف معنى قوله تعالى في موضع آخر : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ الزمر : 68 ] ، فالصعق باطن الأمر ، وهو دائم ، ولكنه مستور لحكمة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 57 ] وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 )