عبد الحسين الشبستري

938

اعلام القرآن

قبل الميلاد ، فخافت عليه أمّه ، فسترته وخبّأته عن عيون وجلاوزة الملك ، وبعد أن بقي عندها ثلاثة أشهر علّمها اللّه سبحانه صنع صندوق ، وتطليه بالزفت والقطران - والقطران مادّة سيّالة دهنيّة تستخرج من أشجار الصنوبر والأرز - وتلقيه في نهر النيل ، فأطاعت أمر السماء وأمرت أخته مريم بأن تتابعه وتعرف أثره ، فاستمرّت مريم في اقتفاء أثره حتّى تأكّدت من التقاطه من الماء وإدخاله إلى دار فرعون مصر . لمّا جيء به إلى البلاط الفرعونيّ وبصرت به ولأوّل مرّة زوجة فرعون - وكانت تدعى آسية بنت مزاحم بن عبيد ، وكانت مؤمنة موحّدة ومن بني إسرائيل ، - ألقى اللّه عزّ وجلّ محبّة موسى عليه السّلام الطفل في قلبها ، وقرّرت إبقاءه عندها ؛ لتتّخذه وزوجها ولدا لهما ، وقيل : إنّ التي التقطته من الماء هي « دربتة » ابنة فرعون . دخل الرضيع دار فرعون فأحاطوه بالرعاية الخاصّة والعناية الفائقة ، ولكنّه كان يرفض كلّ ثدي يريد إرضاعه ، فاقترحت أخته مريم على آسية أن يستدعوا له مرضعة من بني إسرائيل لتقوم بإرضاعه وإنجاز مهامّه ، فقبلت آسية بذلك الاقتراح ، فانتهزت مريم تلك الفرصة وجاءت بأمّه - والبلاط لا يعلم بحقيقتها - لتلك المهمّة ، فأقبل موسى عليه السّلام على ثديها ، ففرحوا بذلك ، ودفعوه إليها لتتولّى إرضاعه وتدبير شؤونه في بيتها . ولم يزل موسى عليه السّلام عند أمه حتّى فطمته من الرضاع ، فأعادته إلى القصر الفرعونيّ ليتولّى الكهنة ورجال الدين تربيته بحسب تقاليدهم وعاداتهم كما كانوا يربّون أبناء ملوكهم . أخذ موسى عليه السّلام يشبّ ويترعرع في البلاط الفرعونيّ وهو يتأهّل يوما بعد يوم بالقوّة الوافرة والبأس الشديد ، ويتبحّر في العلوم والمعارف ، ويزداد بمرور الأيّام إيمانه باللّه سبحانه وتعالى ، ونصرته لقومه الذين أصابهم صنوف الظلم والاضطهاد في مصر ، ممّا أدّى إلى تعقّبه من قبل حكّام وقته ليقتلوه ، فهرب إلى مدين ، وقيل : مديان - وهي بلاد تقع شمال خليج العقبة من جهة ، وشمال الحجاز وجنوب فلسطين من جهة أخرى - وهي منسوبة إلى مدين بن إبراهيم الخليل عليه السّلام . وبعد ثمان ليال من الجدّ في السير والجوع والعطش وصعوبات الطريق وصل إلى