الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
29
الأخلاق في القرآن
الإنسان ، حتى وصل الأمر إلى السيّد المسيح عليه السلام ، حيث كان القسم الأعظم من تعاليمه ، هو أبحاثٌ أخلاقيّةٌ ، فَنَعَته حواريّوه وأصحابه بالمعلِّم الأكبر للأخلاق . ولكن أعظم مُعلِّمي الأخلاق ، هو : رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، لأنّه رفع شعار : « إنّما بُعثت لُاتمّم مكارَم الأخلاق » . وقال عنه الباري تعالى : « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » « 1 » . ويوجد قديماً بعض الفَلاسفة ، مَنْ لُقّب بمعلّم الأخلاق ، مثل : أفلاطون ، وأرسطو ، وسُقراط ، وجَمعٌ آخر من فَلاسفة اليونان . وعلى كلّ حال ، فإنّه وبعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فإنّ الأئمّة عليهم السلام هم أكبر معلّمي الأخلاق ، وذلك بشهادة الأحاديث التي نُقلت عنهم ، حيث ربّوا أشخاصاً بارزين يمكن أن يعتبر كلّ واحد منهم مُعلِّماً لعصرهِ . فحياة المعصومين عليهم السلام وأتباعهم ، هي خيرُ دليلٍ على سُمّو نفوسهم ، ورفعة أخلاقهم ، في حركة الواقع . ويبقى السّؤال في أنّه متى تأسّس علم الأخلاق في الإسلام ، ومن هم مشاهيره ؟ . وهذا البحث مذكورٌ بالتّفصيل في الكتاب القيّم : تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام ، بقلم آية اللَّه الشّهيد الصّدر قدس سره . ولا بأس بالإشارة إلى بعض ما جاء فيه ، حيث قسّم السيد الصدر الموضوع إلى ثلاثة أقسام : أ - يقول إنّ أوّل من أسّس علم الأخلاق ، هو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، ( وذلك من خلال الرّسالة التي كتبها لابنه الإمام الحسن عليه السلام ) بَعد رجوعه من صفّين ، حيث بيّن الأسس الأخلاقيّة ، وتطرق للمَلكات الفاضلة والصّفات الرذيلة ، وحلّلها بأحسن وجهٍ « 2 » . ونقل هذهِ الرّسالة ، بالإضافة إلى السيّد الرّضي في نهج البلاغة ، الكثير من علماء الشّيعة أيضاً . ونقلها كذلك بعض علماء أهل السُنّة ، مثل : أبو أحمد بن عبد اللَّه العسكري ، في كتابه
--> ( 1 ) . سورة القلم ، الآية 4 . ( 2 ) . رسالة الامام السّجاد عليه السلام الحقوقية ، ودعاء مكارم الأخلاق ، وكثير من الأدعية والمناجاة في طليعة الآثار الأخلاقية الإسلامية المعروفة ، بحيث لا يوازيها أثر ولا يصل إلى مقامها شيء .