الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
280
الأخلاق في القرآن
وعلى كلّ حالٍ ، فإنّ مضمون هذا الحديث قد ورد بطرق متعدّدة ، في كتاب بحار الأنوار ، عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، أو أحد المعصومين عليهم السلام ، أو إدريس النبي عليه السلام ، وكذلك ورد عن الإمام علي عليه السلام ، في : « غُرر الحِكَم » « 1 » . وقال العلّامة الطّباطبائي ، في تفسيره : « أنّ الشّيعة والسّنة قد نقلوا هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله ، وهو حديثٌ مشهورٌ » « 2 » . التّفاسير السّبعة ، لحديث من عَرف نفسه : وقد وردت تفاسيرٌ عديدةٌ لهذا الحديث ، ومنها : 1 - يشير هذا الحديث إلى : « بُرهان النّظم » ، فكلّ إنسانٍ يتعرف على عجائب الخِلقة ، في روحه وجِسمه ، وما تتضمّن من النّظم المعقد والمحيّر في تفاصيلها الدقيقة ، فسوف ينفتح له طريق إلى اللَّه تعالى ، فإنّ هذا النّظم والإنتِظام والدّقة في الخلقة ، لا يمكن أن ينشأ ، إلّا بتدبير عالم قادر مبدىء معيد . 2 - ويمكن أن يكون هذا الحديث ، إشارةً إلى بُرهان : « الوجود والإمكان » ، فعند ما ينظر الإنسان ويُدقّق في تفاصيل وُجوده ونشأته ، يرى أنّه وجودٌ مستقلٌ ، من عِلمه وقُدرته وذَكائه وسَلامته ، فكلّها تحتاج إلى وجوده سُبحانه ، ومن دونه ، فَهو لا شيء وسينتهي وجوده ، وفي الحقيقة هو كالمعاني الحرفيّة ، التي بدون المعاني الإسميّة ، لن يكتمل لها معنى ، كجملة : « ذهبتُ إلى المسجد » ، فكلمة « إلى » ، وحدها لا مفهوم لها إطلاقاً ، من دون إرتكازها على كلمتي : « ذهبت » و « المسجد » ، وكذلك الحال في وجودنا بالنّسبة إلى اللَّه تعالى ، فكلّ شخصٍ يحسّ في نفسه هذا الإحساس ، سيعرف ربّه من موقع الاعتماد والإيمان أكثر ، لأنّ وجود الممكن محال ، بدون وجود الواجب .
--> ( 1 ) . غُرر الحِكم ، ص 7946 . ( 2 ) . الميزان ، ج 6 ، ص 469 ، في البحث الرّوائي ، ذيل الآية 105 ، من سورة المائدة .