الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
281
الأخلاق في القرآن
3 - ويمكن لهذا الحديث ، أن يدلّنا على : « برهان العلّة والمعلول » ، فكلّ إنسان يَتَفكر في نفسه ، قليلًا فسوف يعرف أنّه معلول ، لعلّةٍ أخرى منذ وجوده ، وعندما ينظر لأبيه سيراه هو أيضاً معلولًا لعلّةٍ أخرى ، وهكذا حتى يصلَ إلى علّةِ العلل ، وإلّا يلزم التسّلسل ، وبطلان التّسلسل ، أمرٌ مفروغٌ عنه لدى الحكماء « 1 » . وعليه ، يجب أن تصل العلل إلى العلّة الأولى ، التي لا تحتاج إلى عِلّة ، فعلّة العِلل : وجوده في ذاته ، فعند ما يرى الإنسان نفسه بهذا الوصف ، فإنّه سيصل إلى الباري سبحانه وتعالى ، من خلال هذا القانون العقلي . 4 - ويمكن أن يكون هذا الحديث ، إشارة إلى « بُرهان الفطرة » ، فعند ما يعرف الإنسان في تأمل حَنايا نفسه ، وجَوانب فطرته ، فسوف يتجلّى له نورُ التّوحيد ، وينفتح على اللَّه تعالى ، ويصل من « معرفة النفس » ، إلى « معرفة اللَّه » ، ولن يحتاج إلى دليلٍ آخر يقوده إلى اللَّه تعالى . 5 - ويمكن أن يكون الحديث ، ناظراً إلى مسألة : « صفات اللَّه تعالى » ، بمعنى أنّ الإنسان عندما يرى محدوديّته ، في دائرة حالاته وصفاته في عامل الإمكان ، سيصل إلى نقاطِ ضعفهُ ويُدرك من خلال محدوديّته في مجال الصّفات البشريّة ، لا محدوديّة اللَّه تعالى ، لأنّه لو كان مخلوقاً مثله ، لكان محدوداً أيضاً ، ومن فنائه إلى بَقائه تَبارك وتعالى ، لأنّه لو كان مخلوقاً أيضاً لكان فانياً ، وكذلك يُدرك من خلال احتياجاته وفَقره ، استغناء اللَّه وعدم حاجته عمّا سواه ، ويُدرك قوّة الباري من خلال فَقره وحاجته هو . . . وهكذا ، وهذا ما يشير إلى كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، في أوّل خطبةٍ ، حيث يقول : « وَكَمالُ الإِخلاصِ لَهُ نَفي الصِّفات عَنْهُ ، لِشَهادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيرُ المَوصُوفِ ، وَشَهادَةِ كُلِّ مَوصُوفٍ أَنَّهُ غَيرُ الصِّفَةِ » « 2 » . 6 - ونقل العلّامة المجلسي رحمه الله ، تفسيراً آخر لهذا الحديث ، عن بعض العلماء ، أنّه قال : ( الرّوح لطيفةٌ لاهوتيّة في صفةٍ ناسوتيّةٌ : دالّةٌ من عشرة أوجهٍ ، على وحدانيّة اللَّه وَرَبّانِيَّتِهْ : 1 - لما حرّكت التهيكَل ودبّرته ، علمنا أنّه لا بدّ لِلعالم من مُحرّكٍ ومُدبِّرٍ .
--> ( 1 ) . من أراد التّوضيح ، فيراجع كتاب : « نفحات القرآن ج 2 » . ( 2 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 1 .