الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
194
الأخلاق في القرآن
4 - وقال الإمام الرضا عليه السلام نقلًا عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله : « لَيسَ شَيءٌ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ مُؤمِنٍ تائِبٍ أو مُؤمِنَةٍ تائِبَةٍ » « 1 » . ويمكن أن يكون هذا الحديث دليلًا على وجوب التّوبة ، لأنّها أحبّ الأشياء إلى اللَّه تعالى في دائرة السّلوك البشري . مضافاً إلى ذلك ، هناك دليلٌ عقلي على وجوب التّوبة ، وهو أنّ العقل يحكم ، بوجوب دفع الضّرر المحتمل أو المتيقن ، وتحضير وسائل للنجاة من العذاب الإلهي ، وبما أنّ التّوبة هي أفضل وسيلةٍ للنجاة من العذاب ، فلذلك يحكم العقل السليم بوجوبها ، فالعاصين أنّى لهم الخلاص ، من العذاب الدّنيوي والأخروي ، ولمّا يتوبوا بعد ؟ ! نعم ، فإنّ التّوبة واجبةٌ ، بدليل القرآن والرّوايات والعقل ، إضافةً إلى قبول المسلمين لها أجمع ، وبناءً عليه فإنّ الأدلّة الأربعة تحكم بوجوب التّوبة ، ووجوبها فوري ، وقد تطرق علم الأصول لهذا الأمر ، على أساس أنّ الأوامر كلّها ظاهرةٌ في الوجوب ما لم يثبت العكس . 3 - عموميّة التوبة لا تختص التّوبة بذنبٍ من الذنوب ، أو شخص من الأشخاص ، ولا تتحدّد بزمانٍ ولا مكانٍ ولا عمرٍ محدد . وعليه فإنّ التّوبة تشمل جميع الذّنوب وتستوعب كلّ فردٍ في أي مكانٍ أو زمانٍ كان ، وإذا ما إحتوت على كلّ الشّروط ، فستُقبل من قبل الباري تعالى ، والاستثناء الوحيد الذي لا تُقبل فيه التّوبة ، والذي أشار إلى القرآن الكريم ، هو : التّوبة عند حضور الموت ، أو نزول العذاب الإلهي ، ( كما تاب فرعون في آخر لَحَظات عمره ) ، فعندها لن تُقبل توبته ، لأنّ التّوبة عندها ليست توبةً حقيقيّةً ، ولا هي صادرةٌ من الشّخص من موقع الاختيار ، فيقول الباري تعالى : « وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ
--> ( 1 ) . مستدرك الوسائل ، ج 12 ، ص 125 .