الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
138
الأخلاق في القرآن
العامل الأصلي لضلاله ، هو نفس هؤلاء الأصدقاء المنحرفين ، ومرضى القلوب ، وأن تأثيرهم عليه كان أشدّ من تأثير النداءات الإلهيّة : ( طبعاً عند المنحرفين فقط ) . وأمّا « الآية الأخيرة » : فقد تحدثت عن أصدقاء السوء ، وعبّرت عنهم بجنود الشيطان وأنّهم من شياطين الإنس ، والجدير بالذكر ، أنّ التعبير عن تأسّف هذه الجماعة ، ورد بجملة : « وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ . . . » ، وهي أعلى مراحل التّأسف ، ففي البداية ، يعضّ الإنسان إصبعه بدافع الندم ، وفي مرحلةٍ أقوى يعضّ باطن كفّه ، وفي مرحلةٍ أشدّ يعضّ على يديه الإثنتين ، وهو في الحقيقة نوعٌ من الانتقام من نفسه ، وأنّه لماذا قصّر في حقّ نفسه ورماها في التهلكة ؟ فما يُستفاد من الآيات الآنفة الذّكر ، هو أنّ الأصدقاء والأصحاب ، لهم أثرهم الكبير في سعادة أو شقاء الإنسان ، ليس على مستوى التّأثير في السّلوك الأخلاقي فحسب ، بل وعلى مستوى العقائد أيضاً ، فهنا يجب على المرشد أن يهتم في عمليّة صيانة الأفراد من الزيغ والانحراف ، ويرعاهم بتوجيهاته بعيداً عن أجواء التلوّث ، وخصوصاً في عصرنا الحاضر ، الذي انتشرت فيه وسائل الفساد ، عن طريق رِفاق السّوء بصورةٍ مُخيفةٍ ، وأصبحت سبباً من أسباب الانحراف والسّير في خطّ الباطل . دور الأخلّاء في الرّوايات الإسلاميّة : وردت روايات وأحاديث مستفيضة في هذا المضمار عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، والأئمّة الأطهار عليهم السلام ، تعكس أهميّة هذه المسألة ، ففي حديث الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، أنّه قال : « المَرءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ وَقَرِينِهِ » « 1 » . وجاء هذا المعنى أيضاً في حديثٍ آخر ، نقل عن الإمام الصادق عليه السلام ، أنّه قال : « وَلا تَصحَبُوا أَهْلَ البِدَعِ وَلا تُجالِسُوهُم فَتَصيرُوا عِنْدَ النّاسِ كَواحِدٍ مِنْهُم » .
--> ( 1 ) . أصول الكافي ، ج 2 ، ص 375 : باب مجالسة أهل المعاصي ، ح 3 .