الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
106
الأخلاق في القرآن
زمرة الأمراض الروحية ، فقالت : « فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً » ؛ بسبب إصرارهم على النّفاق . وفي الآية ( 32 ) من سورة الأحزاب ، وصفت عبيد الشّهوة بمرضى القلوب ، الذين يتحيّنون الفرص لإصطياد النّساء العفيفات ، حيث خاطب الباري تعالى نساء النبي صلى الله عليه وآله ، فقال : « فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ » . وجاء في الآيات الأخرى نفس هذا المعنى ، أو أوسع منه ، بحيث تناولت الآيات ، جميع الانحرافات الأخلاقيّة والعقائديّة . وفي معنى عميق آخر ، عبّر القرآن الكريم ، عن القلوب المليئة بنور المعرفة والأخلاق والتّقوى : بالقلوب السليمة . وجاء ذلك على لسان النّبي إبراهيم عليه السلام ، حيث قال : « وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » « 1 » . « السّليم » من مادة « السّلامة » ، وتقع في مقابل الفساد والانحراف والمرض ، و « القلب السّليم » كما جاء في الرّوايات عن المعصومين عليهم السلام ، في تفسير هذه الآية ، أنّه القلب الذي خَلا من غير اللَّه تعالى ، ( منزّه من كلّ مرضٍ أخلاقي وروحي ) . وقال القرآن الكريم في مكانٍ آخر : إنّ إبراهيم عليه السلام عندما طلب من الباري تعالى : القلب السّليم ، ( كما أشارت الآيات الآنفة الذّكر ) ، تحقّق له ما يُريد ، وشملته رحمة ولطف اللَّه تعالى ، وأصبح ذا قلبٍ سليمٍ ، فنقرأ في الآيات ( 83 و 84 ) من سورة الصافات : « وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ * إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » . نعم ، فإنّ إبراهيم عليه السلام كان يتمنى أن يكون ذا قلبٍ سليمٍ ، وبالسّعي والإيثار ومحاربة الشرك ، وهو النفس من موقع عبادة اللَّه ، استطاع أن يصل بالنّهاية إلى ذلك المقام . ونجد في الأحاديث الإسلامية ، إشاراتٌ كثيرةٌ حول هذا الموضوع ، ومنها :
--> ( 1 ) . سورة الشعراء ، الآية 87 إلى 89 .