عبد المنعم الحفني

1586

موسوعة القرآن العظيم

مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( المائدة 5 ) فاختلفت الصياغة وقدّم الصابئون على النصارى ، وزعم المستشرقون أن القرآن قد أخطأ في النحو ورفع « الصابئون » ، وكان يجب النصب بأن ، أو أن كتبة القرآن أخطئوا ، والصحيح أنه لا خطأ هناك ، ورفع « الصابئون » محمول كما ذكرنا على تقديمها والنصارى ، وتقديره : إن الذين آمنوا والذين هادوا ، من آمن باللّه واليوم الآخر وعمل صالحا ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وكذلك الصابئون والنصارى » ، وبذلك ينحل الإشكال وتسقط دعوى أمثال المستشار العشماوى الذي يصرّ على تخطئة رفع « الصابئون » . وفي الثالثة : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ( الحج 17 ) يتأكد أن هذه الفرق الست منها فرقة ضالة وبقية الفرق كانت مؤمنة ، إلا أن اعتقاداتها اختلفت ، وزاد شقة الخلاف بينها مع الزمن ، وإنما كانت اعتقادات في أولها صحيحة ثم انحرفت وكانت على الضلال . والقرآن في الآيات الثلاث اعتبرها وتحدّث عنها في أوائل ظهورها وليس بعد انحرافها عن الجادة ، ومن ثم فليس هناك خطأ فيما جاء بالآيات من ثناء عليها . والصابئة من صبأ ، تقول صبأت النجوم - أي طلعت ؛ وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت ؛ والصابئة على ذلك هم فرقة خرجت من فرقة أخرى ، وكانوا مندائية Mandaeans ، وعقيدتهم غنوصية أي عرفانية ، والغنوص أو العرفانية قال بها اليهود وزاد فيها النصارى ، ومن ثم كان الصابئة - مثلما كان المندائية - من الفرق اليهودية المسيحية Judaeco - christian ، وهذا هو سبب تسميتهم صابئة ، أي الذين خرجوا من غيرهم من الفرق . والغنوص gnosis ، والغنوصية gnosticism هما القول بمعارف غيبية ، وأن اللّه يستدل عليه بالحدس لا بالعقل ، وبالوجد لا بالاستدلال ، والصابئة والمندائية ذهبوا إلى ذلك ، وقالوا بإلهين للنور والظلام ، وقضى الإسلام على المندائية ، وما تزال في العراق بقايا من الصابئة . وأخطأ المفسرون المسلمون الذين قالوا : إن الصابئة أهل كتاب ، لأنهم لم يكن لهم كتاب على الحقيقة ، وأخطأ المفسرون اليهود الذين ذكروا أن الصابئة أتباع يوحنا المعمدان ( النبىّ يحيى ) ، وأنهم هم فرقة المغتسلين أو المتطهّرين الذين مارسوا العماد ، ومنهم المسيح ، وقد عمّده يوحنا . وكان المغتسلون أو المتطهّرون في زمن لوط واتّهمه قومه بأنه منهم . وأخطأ ماسينيون وتلميذه عبد الرحمن بدوي عندما أرجعا صحيح الاسم إلى كلمتي « ماس‌بوتا » يعنى تخمّر الماء وهي عملية من الشعائر المعمودية ، فما علاقة صابئة بماس‌بوتا ؟ ! والشهرستاني المؤرخ الإسلامي المشهور للفرق ، قال إن الصابئة هم عبدة النجوم ، واشتهر ذلك عنه ، وذكر أنهم كانوا يسمون أنفسهم « الروحانية » ، لأنهم