عبد المنعم الحفني

1554

موسوعة القرآن العظيم

ونبّهت الآية إلى نقص علمهم ، وتدنّى إيمانهم عن المرتبة الكاملة ، وسوء فهمهم ، وقلة درايتهم ووعيهم ، فكلما نادى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بالجهاد تعلّلوا وتخلّفوا ، وما كانوا يكلّفون أنفسهم أن يعتذروا ، فانطبقت عليهم أحكام ثلاثة : فأولا : لم يعد لهم حقّ في الغنيمة والفيء ، لأنهم لم يجاهدوا كالمسلمين ؛ وثانيا : لم يعد جائزا أن تسمع لهم شهادة ، لأن اللّه قد وصفهم بالكفر والنفاق ، وقال في أيمانهم : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( التوبة 96 ) ، فوصفهم بالفسق ولبئس الصفة . وثالثا : لم يعد مناسبا أن يؤم أي أعرابي المسلمين في الصلاة ، لأنهم لا يعلمون حدود اللّه وجهلوا الدين . واستتبع كل ذلك أن غالبتهم ضنّوا أن ينفقوا في سبيل اللّه ، وتمنوا البوار للمسلمين ، وترقبوا فيهم الاندحار ، كقوله تعالى : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ( التوبة 98 ) ، فجمعوا إلى الجهل بالدين ، الجهل بالإنفاق والحكمة فيه ، وسوء الدخيلة وفساد الطوية وخبث النية . وما كانوا جميعا بهذا السوء ، فلكل قاعدة استثناء ، والناس فيهم الصالح والطالح ، والخيّر والشرير ، ولا بد أن يكون من الأعراب من هو على الإيمان ، كقوله تعالى : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ ( التوبة 99 ) ، فكان من الأولين منهم ، قبائل : مرينة ، وجهينة ، وأسلم ، وغفّار ، وأشجع ، والدّيل ، وبنى أسد بن خزيمة ، وكان من الثانين : بنو مقرّن من مزينة ، فكان المؤمنون قلة والأكثرية منافقين ، وفيهم نزل القرآن : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ ( التوبة 101 ) ، والمنافقون هم الذين سمّاهم مخلّفين : سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ( الفتح 11 ) ، وما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، ولكن التخلّف دأبهم ، ففي الخندق لم يحضروا وتعلّلوا حتى قلّدهم غيرهم : وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ ( الأحزاب 20 ) ، يعنى تمنّوا لو فعلوا مثلما فعل الأعراب ونأوا بأنفسهم عن الجهاد حذر القتل وتربصا للدوائر . وفي تبوك اعتذروا الاعتذارات الواهية المبتذلة فقالوا : شغلتنا تجارتنا وخفنا على أهالينا ، وزادوا بأن طلبوا أن يسامحهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ويدعو لهم بالمغفرة ، ولم يجر بخاطرهم أن المغفرة لا تكون إلا لمن كان ظاهره كباطنه ، وهؤلاء كان اعتقادهم بخلاف ظاهرهم ، ففضحهم اللّه بقوله : يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ( الفتح 11 ) ، فكأن نفاقهم كان « النفاق المحض » . ولقد تخلّفوا في الحديبية ، وفي حنين ، فكان تخلّفهم نكوصا ، وينبئ عن خوف وشح بالنفس والمال ، فإذا كان ذلك حالهم وعدوهم هو ما هو عليه من ضعف باد ، فكيف مع عدو أقوى