عبد المنعم الحفني
1555
موسوعة القرآن العظيم
يلقونه في قابل الأيام : قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ( الفتح 16 ) ، وفي الآية إشارة إلى من يكون على أمة الإسلام أن تدفع عن نفسها أذاهم من الأمم المعادية ، أمثال : الفرس ، والرومان ، والإنجليز ، والروس ، والفرنسيين ، والأسبان ، والأمريكان ، وغيرهم ، فأما والأمر كذلك مع هؤلاء المتقاعسين ، وأي متقاعسين من بعد ، فالأولى أن لا يكون الاعتماد عليهم ، وأن يسقطوا من الحساب عند كل لقاء مع أعداء اللّه : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ( التوبة 83 ) . وفي الحديث أن المسلمين لا يستعينون في قتالهم بكافر ، فهذه حربهم وليست حرب غيرهم ، والذي يقاتل مجاهدا إنما قتاله من أجل بيضة الإسلام ، وكي تعلو كلمة اللّه ، والقتال يستلزمه الإيمان ، وما كان الأعراب على شئ من الإيمان : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ( الحجرات 14 ) ، فلما نطقوا بالشهادتين أسلموا ولكنهم لم يؤمنوا ، فالإيمان يتطلب أكثر من الشهادتين : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( 15 ) ( الحجرات ) ولم يكن إسلام الأعراب إلا قولا بلا عمل ، فلمّا استنفرهم للقتال والإنفاق جهارا في سبيل اللّه ، تخلّفوا ، وزادوا على ذلك بادّعاء الإيمان ، فصحّحت الآية دعواهم ، وجعلوا يمنّون على الرسول صلى اللّه عليه وسلم وعلى المسلمين ، فجادلهم بالحسنى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( الحجرات 17 ) ، فلمّا حلفوا أنهم صادقون في إيمانهم قال تعالى : قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( الحجرات 16 ) . وتلخيصا لما سبق فإن المصطلحين « عربى » ، « وأعراب » من مصطلحات الحضارة والثقافة ، ومصطلح « الأعراب » كما وصف به المنافقون من البدو ، ما يزال من الممكن أن يوصف به أصحاب الثقافة الضحلة والتبعية الغربية من المستشرقين العرب من تلاميذ المبشّرين ، ومن دعاة العولمة والأخذ بالأسلوب الأمريكى في الحكم والأخلاق والاقتصاد والسياسة والاجتماع والأدب ، فهؤلاء رعاع المثقفين ، وبهم جفاء في الطبع ، وشك مريب ، والحذل والحقد يملأ قلوبهم على كل ما هو مسلم ، ودوافعهم في السلوك فردية ولا يؤمنون بالقومية العربية ، وهم الذين يدلّسون علينا إمكان ولاء مزدوجى الجنسية ، وخصخصة الأملاك العامة ، وإلغاء مجانية التعليم ، وقصر التعليم العالي على الأغنياء ، وتشجيع