عبد المنعم الحفني
1500
موسوعة القرآن العظيم
السيف : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ( التوبة 5 ) ، والهدى ما أهدى إلى بيت اللّه من ناقة أو بقرة أو شاة ، والقلائد كل ما علق على أسنمة الهدايا وأعناقها ، وهي سنّة البقر والغنم ، والصحيح أن الآية لم تنسخ لأن الذي يهدى ويقلّد مسلم ، فلما ذا يحسب ضمن المشركين ؟ وإن كان المقصود الكفار القاصدين البيت الحرام على جهة التعبّد والقربة فإنه لم يعد لمشرك أن يدخل المسجد الحرام ، بقوله تعالى : فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا ( التوبة 28 ) ، والصحيح أن الآية محكمة ولم تنسخ ، وهي في المسلمين ، وقد نهى اللّه عن إضافة من يقصد بيته الحرام من المسلمين ، والنهى عام في الشهر الحرام وفي غيره ، وخصّ الشهر الحرام بالذّكر تعظيما وتفضيلا . * والآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ( المائدة 6 ) : قالوا : إنها توجب الوضوء عند كل صلاة ، ثم نسخ بالسنّة عام الفتح فلم يعد الوضوء واجبا وإنما إذا أحدث ، وهذا غير صحيح ، لأن الآية توجب الوضوء على الذين ليسوا على وضوء وليس على من هم على وضوء . وقيل : الوضوء فرض بعد حدث ، وهو ندب لمن كان على طهر ، ولذلك كان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة ، ثم صلى يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد ، ليعلّم أمته أن ما كان يفعله من تجديد الطهر لكل صلاة ، إنما كان منه أخذا بالأفضل ، لا على أنه كان فرضا واجبا . * والآية : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ( المائدة 13 ) : قيل : نسختها آية السيف التي تقول : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ( النساء 91 ) ، أو الآية : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ ( الأنفال 58 ) ، والصحيح أنها لم تنسخ ، ولا تعارض بين الآيتين ، ولكل آية معناها ومجالها . وهذه الآية تدعو إلى العفو عن اليهود من بنى النضير الذين همّوا أن يقتلوا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم حينما جاءهم يستعينهم في دية العامريين ، فأطلعه اللّه على ما بيّتوا النية عليه ، وبيّن أن هذه هي طريقتهم في الغدر والخيانة في أولهم وآخرهم ، ولا تزال تطّلع منهم على الخيانة والغدر ونقض العهد . والعفو والصفح هو عين الظفر كقول القائل : ما عاملت من عصى اللّه فيك بمثل أن تطيع اللّه فيه ، لعل ذلك يؤلف قلوبهم ويهديهم إلى الإسلام . وهل كان يمكن حينئذ فعل شئ أكثر من ذلك ، وخاصة أنه لم يؤمر وقتها بقتالهم ؟ فلا موجب إذن للنسخ ، فإن اختلفت الأمور من بعد واستوجبت معاملة مختلقة معهم فليس هذا بنسخ للآية ، لأنها متوافقة مع ظرفها ، وكل آية في مجالها وسياقها صحيحة ومحكمة ، وللرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يعفو عنهم في غدرة فعلوها طالما أنهم لم ينصبوا حربا ، ولم يمتنعوا عن أداء الجزية .