عبد المنعم الحفني
1478
موسوعة القرآن العظيم
أو أن الآية الأولى قد تكون خاصة بالتوجه في الدعاء ، والثانية قد تختص بالتوجه في الصلاة ، وعلى ذلك فلا تعارض بين الآيتين ولا نسخ . ومن ذلك أيضا الآية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 ) ( البقرة ) ، فقد قيل تنسخها آيات المواريث والحديث « لا وصية لوارث » ، والنسخ غير وارد لأن الأقربين الموصى بهم هم الذين حرموا من الإرث ، أو أن هذه الآية توصى بزيادة إرث من يحتاج من الورثة ، كأن يكون زمنا ، أو معوّقا ، أو مريضا ، أو صغيرا لم يبلغ الرشد . ثم إن الحديث من الآحاد ، وحكم أحاديث الآحاد أنها ظنية ، والظني لا يقوى على نسخ القطعي وهو الآية . ومن ذلك الآية : وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً ( 8 ) ( النساء ) ، قيل إن آيات المواريث تنسخها ، مع أن الآية لا دخل لها بالمواريث وإنما تحضّ على إعطاء الحاضرين لقسمة التركة ، من الأقارب واليتامى والمساكين ، شيئا منها ، وهو تشريع له صورة الدوام . ومن ذلك الآيتان : وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ( 15 ) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ( النساء ) ، قيل إنهما منسوختان بالآية : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ( النور ) ، مع أن الآيتين الأولين تخص الأولى النساء اللوطيات اللاتي يمارس الفاحشة مع بعضهن البعض ، وتخصّ الثانية الرجال الممارسون للواط ، ولا دخل للآيتين بالزنا ، وعلى ذلك فلا نسخ بين الآيتين وبين الآية الثالثة . وإذن تسقط دعاوى المدّعين بالنسخ بمعنى الرفع ، ويتأكد أن النسخ كما جاء في القرآن أنه استبدال حكم في زمن وموضع معينين بحكم آخر مع استمرار الحكم الأول في ملابساته التي صاحبت صدوره ، ونفاذ الحكم الثاني في ملابساته المستلزمة له كذلك . والذين اختلفوا فيه من المسلمين إنما كان إصرارهم عليه لقولهم أن من النسخ أن تنسخ الشريعة الحالية شريعة قبلها ، بمعنى أن المسيحية قد نسخت اليهودية ، والإسلام قد نسخ المسيحية واليهودية معا ، ولكن اليهود أصروا على القول بإنكار النسخ ، لأنهم بهذا الإنكار يرفضون الموافقة على أن المسيحية أو الإسلام قد نسخ ديانتهم . وإزاء ذلك أصرّ المسلمون على القول بالنسخ معاندة لليهود ، مع أن الإسلام لم ينسخ اليهودية فما تزال موجودة ، ولم ينسخ المسيحية ، واللّه يقول : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً