عبد المنعم الحفني

1479

موسوعة القرآن العظيم

واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ( المائدة 48 ) ، والآية إخبار عن الأمم المختلفة الأديان ، باعتبار ما أنزله اللّه عليها من الشرائع المختلفة في الأحكام ، المتفقة في التوحيد . والنسخ متعلّقه الأحكام ، والأديان لا تلغى بعضها البعض لأن مدارها جميعا التوحيد ، وإنما التباين بينها في الأحكام بحسب الأمصار والأزمان ، والمسلمون على تفسير آية النسخ : بأن اللّه كان قد أحلّ زمن آدم أن يتزوّج الأخ أخته ، ثم نسخ ذلك لمن جاء بعد آدم ؛ وأحلّ لنوح أن يطعم لحم أي حيوان ، ثم نسخ - لمن جاء بعده - الحلّ ببعضها وحرّمه . وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه ، فلما جاء موسى حرّمته شريعة التوراة . فالنسخ بهذا المعنى موجود كذلك في اليهودية ، إلا أن إنكار اليهود للنسخ كان على الخصوص زمن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم - وهو الزمن الذي تفجّرت فيه مسألة النسخ هذه وتصدّى المسلمون فيه للردّ عليهم بين مؤيد للنسخ ومنكر . وكان إنكار اليهود على تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، فذلك ما غاظهم في الإسلام ، وأضجّهم منه ، فأخذوا يلغون في النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، ويهزءون بالإسلام ، فأنزل اللّه تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ( البقرة 142 ) ، والسفهاء هم اليهود ، قالوا : ما لهؤلاء المسلمين يستقبلون تارة بيت المقدس ، وتارة يستقبلون الكعبة ؟ فكان جواب اللّه تعالى عليهم : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ( البقرة 142 ) يتضمن نفس الردّ السالف على النسخ : أنه تعالى المتصرّف وله الأمر كله ، ولليهود قبلتهم التي يرضونها ، وللمسلمين قبلتهم ولّاها اللّه لهم ، وللنصارى قبلتهم ، ولكل ملة شرعة ومنهاج ، أي سنن وطرائق ، واللّه تعالى جعل الناس شعوبا وقبائل ، ولو يشاء لجعلهم أمة واحدة ، وبعث في كل أمة رسولا ، وجعل لكل منها منسكا هم ناسكوه ، وهذا هو الإقرار بالتباين في الإسلام ، واحترام الغير ، وكل ذلك يقوم عليه الإسلام ولا شئ منه في اليهودية ولا النصرانية . وينبغي لأي حوار مع الآخر ، أن يكون ذلك منطلقه ، وأساس البلاغ له عن الإسلام ، والدعوة إليه أن يقرّ بالحق ، وأن يقول الصدق ، وأن يقدر الملل أقدارها . * * * 1027 - ( النسخ والبداء في القرآن ) قال اليهود بالبداء ، وقال به الرافضة ، ولا بداء في القرآن وإنما هناك نسخ ، والنسخ لا يعنى المحو ، ولكنه يعنى التبديل ، فاللّه تعالى يقول : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ( البقرة 106 ) ، وقال : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ( النحل 101 ) ، فأما البداء فيعنى أن اللّه رأى شيئا ثم بدا له فغيّر ما رأى ، فكان النسخ بسبب البداء ، فلو لا أنه تعالى رأى