عبد المنعم الحفني

72

موسوعة القرآن العظيم

المثاني لغة اصطلاحية تدل على حضارة بلاغية أوسع ، وثقافة فكرية أعرض . وقسمها بين العبد وربّه ، والوعي بهذه القسمة من النبىّ صلى اللّه عليه وسلم والشرّاح ، فيه إدراك كبير من أهل الإسلام لما يمكن أن تصنّف إليه الفاتحة . وفي الحديث عن اللّه تعالى يجيء : « قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما سأل ؛ فإذا قال العبد : الحمد للّه ربّ العالمين ، قال اللّه تعالى : حمدني عبدي ؛ وإذا قال العبد : الرحمن الرحيم ، قال اللّه تعالى : أثنى علىّ عبدي ؛ وإذا قال العبد : مالك يوم الدين ، قال اللّه تعالى : هذا بيني وبين عبدي ، فإذا قال العبد : اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ، ولا الضالين ، قال اللّه تعالى : هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل » . فهذه الحرفية في التكوين والتقسيم والتصنيف في الفاتحة عند المسلمين ، تجعل لها عقلانية ، وتقيم منها بناء معماريا له سمت وأصول في التكوين ، وله غاية يترسّمها المعمار ، وهي أشياء تفتقد في فاتحة النصارى ، ومن أجل ذلك وصف الرسول صلى اللّه عليه وسلم الفاتحة بأنها : أعظم سورة في القرآن ، وأنها القرآن الذي آتاه اللّه ، وأطلق عليها اسم الفاتحة ، لأنها أولا فاتحة الكتاب ، وتفتحه لفظا وخطا ، وتفتح بها الصلوات قراءة ؛ وهي أم الكتاب ، فيبتدأ بها كتابة المصحف ؛ وأم القرآن لأنها أوله وفيها كل علومه ؛ وهي المثاني لأن المصلّى يثنّى بها في كل ركعة ، أو لأنها استثنيت لأمة الإسلام فلم يكن مثلها عند اليهود ولا النصارى . ثم إن لها معزّة خاصة عند المسلمين ليست لفاتحة النصارى عند النصارى ، فهي يستشفى بها للمريض ، وتستخدم كرقية يرقى بها ، وهي مدخل القرآن الذي يؤسسه ، وأساسها « بسم اللّه الرحمن الرحيم » ، وهي الواقية فلا تختزل ، والكافية فتكفى عن سواها . وليس في تسميتها بالمثانى وأم الكتاب ما يمنع من تسمية سور غيرها بذلك ، وفي القرآن : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ ( 23 ) ( الزمر ) فأطلق اللّه على القرآن أنه مثاني ، يعنى تثنّى فيه الأخبار ، وأطلق على السور السبع الطوال أنها مثاني ، لأن ما بها من فرائض وقصص يثنّى . والفاتحة قال بها القرآن : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) ( الحجر ) ، وكما سبق هي سبع آيات ، وهي مثاني لأن اللّه قسمها مناصفة بينه وبين عبده ، وهما اثنان . وبديهي أن تكون الفاتحة من القرآن ، إلا أن بعض المتنطّعين ذكروا أنها ليست منه ، وشأنها في ذلك شأن المعوذتين ؟ ! ! . . وكان نزول الفاتحة في مكة ، وقيل هي مدنية ، وقيل : نصفها مكية ونصفها مدنية ، والثابت أنها مكية لأنها من سورة الحجر ، والحجر مكية بالإجماع ، وكانت مناسبتها فرض الصلاة ، والصلاة فرضت بمكة ، والفاتحة بدونها لا تكون صلاة . وكان نزولها بعد اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ( 1 ) ( العلق ) ، و يا أَيُّهَا