عبد المنعم الحفني

15

موسوعة القرآن العظيم

اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقلت : كذبت ! فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما أقرأك ! . فانطلقت به أقوده إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقلت : يا رسول اللّه ! إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حرف لم تقرأنيها ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أرسله » ( يعنى أطلقه ) . وقال له : « اقرأ يا هشام » . فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « وكذلك أنزلت » . ثم قال لي : « اقرأ يا عمر » ! فقرأت القراءة التي أقرأنيها ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « وكذلك أنزلت » . وقال : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرءوا ما تيسّر منه » . وفي رواية قال : « فأي ذلك قرأتم أصبتم . » وفي رواية قال : « كلها » أي الأحرف السبعة « كاف شاف » . فكأن هناك إذن أكثر من قراءة ، ويشرح ذلك النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فيقول في الحديث عن ابن عباس عند البخاري : « أقرأني جبريل على حرف ، فراجعته ، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف » . وفي رواية قال : « اللّه يأمرك أن تقرأ أمتك على سبعة أحرف ، فأيّما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا » . ومفاد كل هذه الأحاديث : أن القراءات ليست على هوى أىّ كيف شاء ، فيغيّر في ألفاظ القرآن ، ويبدّل فيها بمرادفها في لغته إذا أحب ذلك أو ارتآه ، وينزع منه لفظة هنا أو هناك ، ليضع مكانها لفظة أخرى من لغته ، ظنا منه أنه بذلك يجعل القرآن مفهوما أكثر عند قومه ، أو أنه ييسر بها نطق الكلمات ، أو يزيد من بلاغة العبارات ، وإنما الأحرف السبعة قراءات ثابتة ومتواترة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، تعلّمها من جبريل ، وعلّمها لصحابته ، وتلقيناها عليهم ، ولا خلاف في صحتها ، وهي كما أنزلها اللّه على نبيّه ، ولم يكن للهوى فيها نصيب ، وتوارثناها عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأجمعت عليها الأمة . ومن ثم يتبين كذب المستشرقين وأهل الكتاب ، بأن المسلمين الأوائل قبل عثمان ، كانوا يقرءون القرآن بحرية وعلى هواهم ، وكانوا يغيّرون في الألفاظ كيف يشاءون ، طالما أنهم يحافظون على المعنى أو الفكرة ! والعكس هو الصحيح ، فكل مسلم كان يقرأ سابقا - وما يزال المسلمون يقرءون للآن - على نفس المنوال الذي علّمهم النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، ويحذون في قراءاتهم حذو المشايخ ، ولديهم دليل للقراءات في كل مصحف ، ولا سبيل إلى الخطأ طالما أنهم يعرفون ما عليهم أن يفعلوه لتسلم قراءاتهم ، ولتخلو من اللحن ، وليصحّ فهمهم ، فيبلّغ به الواعي منهم غير الواعي ، يتأسّون ببعضهم البعض ، وقانا اللّه شر الخطأ وبلية النسيان ، ويساعد على ذلك رسم المصحف العثماني ، وهو الرسم المتفق عليه بإجماع الأمة ، فيكون من الأمور التوقيفية في القراءات ، وكانت كتابة حروف القرآن بهذه الطريقة نفسها في عهد النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وكان كتّابه يسجّلون ما يبلّغهم أولا بأول ، وكان يرشدهم على