يوسف الحاج أحمد

65

موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة

أما أهل الكفر والنفاق فينكرون الفكرة الدينية من أساسها ، ويجعلون المادّة المحسوسة غاية الغايات ، ونهاية النّهايات . والآن لنعد إلى تفسير قوله تعالى : وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا : لقد ذكر العدد ( 19 ) في معرض التهديد ب سَقَرَ وأنّه يقوم عليها تِسْعَةَ عَشَرَ ولا بدّ أن يستشكل النّاس الأمر ، إذ لو وصفت النّار بأنّها ( محرقة ) لفهم ذلك ، لأنّ لدينا المثل على الإحراق في الدنيا ، وإن اختلف في طبيعته عن الإحراق الأخروي ، حيث يمكن للمثل الدنيوي المحسوس أن يجعلنا نفهم المقصود بالتهديد . وكذلك الأمر لو قال ( مؤلمة ) لأنّ لدينا المثل الدنيوي ، فقد خبرنا الألم ونعرفه . ولكن عندما يهددنا ب تِسْعَةَ عَشَرَ فهذا لا مثل له ، لأنّ التّهديد بالعشرين أعظم من التسعة عشر . ثم ما الفرق بين السّبعة عشر والتسعة عشر ؟ ! يقول الزمخشري في الكشاف موضحا ذلك : « فيراه المؤمنون حكمة ، ويذعنون له لاعتقادهم أن أفعال اللّه كلّها حسنة وحكمة فيزيدهم إيمانا ، وينكره الكافرون ويشكّون فيه ، فيزيدهم كفرا وضلالا » . وقال الكعبي : « المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوّض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم اللّه الخالق سبحانه » . كلام الزمخشري والكعبي مقبول وجميل . والّذي نراه أن منهج الّذين يؤمنون بالفكرة الدينية ، وبالأمور الغيبية ، وبالوحي السّماوي ، يقتضي أن يبحثوا عن حكمة ذكر هذا العدد ، وعن حكمة كون القوى القائمة على أمر جهنّم هي تسعة عشر ، فالأمر على ما يبدو يتعلق بسنّة كونية ، والأصل أن نعمل عقولنا مع تسليمنا بقصور العقل البشري ، فالقرآن وسّع من أفق المؤمن ، وصوّب منهجية التفكير لديه ، ودعاه إلى التّفكّر والتّدبّر . وليس هناك ما يدعونا إلى اعتبار القضية المطروحة من القضايا التي لا يعمل في فهمها العقل البشري . يقول محمد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير : « فاللّه جعل عدّة خزنة النّار تسعة عشر لحكمة أخرى غير ما ذكر هنا ، اقتضت ذلك الجعل ، يعلمها اللّه » . نقول : لا شك أن الحكمة يعلمها اللّه ، ولكن هل هي مما استأثر بعلمه ؟ ؟ يقول ابن