يوسف الحاج أحمد

538

موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة

وأخيرا يقوم بحشر البيضة تحت ريشه السّفلي لتوفير الدّفء اللّازم . وعملية وضع البيضة تستهلك معظم الطّاقة الموجودة في جسم الأنثى لذا فإنّها تذهب إلى البحر لتجمع غذاءها وتسترجع طاقتها في حين يبقى الذّكر لحضن البيض ، وتتميّز فترة حضن البيض لدى بطريق الإمبراطور بصعوبة مقارنة بباقي أنواع الطّيور إضافة إلى حاجتها الشّديدة للصّبر من جانب الذّكر ، فهو يقف دون حراك مدّة طويلة وإذا لزمت الحركة فإنّه لا يفعل ذلك إلّا لأمتار قليلة براحة القدمين . وعند الخلود إلى الراحة يستند الطير على ذنبه كما لو أنّه قدم ثالث ويرفع أصابع قدميه بصورة قائمة كي لا تلمس البيضة الجليد . ومن الجدير بالذّكر أنّ درجة الحرارة في الأقدام المغطّاة بالرّيش السّفلي أكثر ب ( 80 ) درجة عن المحيط الخارجي لذلك لا تتأثر البيضة بظروف البيئة الخارجيّة القاسية . وتزداد ظروف البيئة قسوة كلّما تقدّم فصل الشّتاء بأيّامه وأسابيعه حتّى أنّ الرّياح والعواصف تبلغ سرعتها ( 120 - 160 ) كم في السّاعة ، وبالرّغم من ذلك يبقى الذّكر ولمدّة أشهر دون غذاء ودون حراك إلّا للضّرورة ضاربا مثلا مثيرا للدّهشة في التّضحية من أجل العائلة ، وتبدي العائلة تضامنا كبيرا لمقاومة البرودة القاسية إذ أنّ حيوانات البطريق تتراصّ واضعة مناقيرها على صدورها وبذلك يصبح ظهرها مستويا ومشكّلة دائرة فيما بينها وسدّا منيعا من الرّيش في مواجهة البرد القارس . وتحدث هذه العملية بإخلاص وتنظيم دقيق دون أن تحدث أيّة مشكلة بين الآلاف من هذه الطّيور المتراصّة ، وتظلّ هكذا لمدّة أشهر عديدة بصورة من التّعاون المدهش والمثير للحيرة والإعجاب . وبعد ستّين يوما من الظّروف القاسية يبدأ البيض في الفقس ، ويستمرّ الذّكر في تفانيه من أجل الصّغير علما أنّ هذا الذّكر لم يتغذّ أبدا طيلة فترة الرّقود على البيض . ومن المعلوم أن البطريق الخارج لتوّه من البيض حيوان ضعيف يحتاج إلى تغذية وعناية مستمرّة فيفرز الذّكر من بلعومه مادّة سائلة شبيهة بالحليب يتمّ إعطاؤها للفرخ الصّغير ليتغذّى عليها . إنّ المتوقع من هذا الحيوان غير العاقل أن يترك هذا البيض وشأنه ويفكر في الخلاص والنّجاة من البرد القاسي إلّا أن لطف اللّه سبحانه وتعالى بهذه الحيوانات جعلها ترأف ببيضها وفرخها وتظهر هذه الصّورة الرائعة من التكاتف والتعاون والتّضحية .