أحمد الشرباصي
36
موسوعة اخلاق القرآن
« انها صورة مبدعة لنموذج بشري مكرور . . وان الانسان ليظل مدفوعا مع تيار الحياة . يخطئ ويذنب ويطغى ويسرف والصحة موفورة ، والظروف مواتية . وليس - الا من عصم اللّه ورحم - من يتذكر في ابان قوته وقدرته أن هناك ضعفا وأن هناك عجزا . وساعات الرخاء تنسي ، والاحسان بالغنى يطغي . . ثم يمسه الضر فإذا هو جزوع هلوع ، وإذا هو كثير الدعاء ، عريض الرجاء ، ضيق بالشدة مستعجل للرخاء . فإذا استجيب الدعاء وكشف الضر انطلق لا يعقب ولا يفكر ولا يتدبر . انطلق إلى ما كان فيه من قبل من اندفاع واستهتار . والسياق يتسق خطوات التعبير وايقاعه مع الحالة النفسية التي يصورها . والنموذج البشري الذي يعرضه . فيصور منظر الضرفي بطء وتلبث وتطويل : « دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما » يعرض كل حالة وكل وضع وكل منظر ، ليصور وقفة هذا الانسان وقد توقف التيار الدافع في جسمه أو في ماله أو في قوته كما يتوقف التيار أمام السد ، فيقف أو يرتد ، حتى إذا رفع الحاجز « مرّ » كلمة واحدة تصور الاندفاع والمروق والانطلاق « مر » لا يتوقف ليشكر ، ولا يلتفت ليتدبر ولا يتأمل ليعتبر . « مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه » واندفع مع تيار الحياة دون كابح ولا زاجر ولا مبالاة . وبمثل هذه الطبيعة . طبيعة التذكر فقط عند الضر ، حتى إذا ارتفع انطلق ومرّ ، بمثل هذه الطبيعة استمر المسرفون في اسرافهم ، لا يحسون ما فيه من تجاوز للحدود : « كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون » . ويقول القرآن في سورة يونس أيضا : « هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ