أحمد الشرباصي
19
موسوعة اخلاق القرآن
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ » « 1 » . والمعنى - كما في تفسير المنار - أن أولئك الأنبياء هم الذين هداهم اللّه الهداية الكاملة ، فبهداهم دون غيره ، اقتد أيها الرسول ، فيما يتناوله كسبك وعملك ، مما بعثتك به : من تبليغ الدعوة ، وإقامة الحجة ، والصبر على التكذيب والجحود ، وعلى ايذاء أهل العناد والجحود ، ومقلدة الآباء والجدود ، واعطاء كل حال حقها من مكارم الأخلاق وأحاسن الاعمال ، كالصبر والشكر ، والشجاعة والحلم ، والايثار والزهد ، والسخاء والبذل ، والحكم بالعدل . . . . . . وانما أمره اللّه أن يقتدي بهداهم الذي هداهم اليه في سيرتهم ، سواء ما كان منه مشتركا بينهم ، وما امتاز به في الكمال بعضهم ، كما امتاز نوح وإبراهيم وآل داود بالشكر ، ويوسف وأيوب وإسماعيل بالصبر ، وزكريا ويحيى وعيسى والياس بالقناعة والزهد ، وموسى وهارون بالشجاعة وشدة العزيمة في النهوض بالحق ، فالله تعالى قد هدى كلّ نبي ، ورفعه درجات في الكمال ، وجعل درجات بعضهم فوق بعض ، ثم أوحى إلى خاتم رسله خلاصة سير أشهرهم وأفضلهم ، وهم المذكورون في القرآن الكريم ، وأمره أن يقتدي بهم في هداهم ، وهذه هي الحكمة العليا لذكر قصصهم في كتاب اللّه تعالى ، وقد قرر الحق جل جلاله أن القرآن المجيد قد جاء بالحق وصدق المرسلين ، وأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يكن بدعا من الرسل ، فعلمنا من هذا أنه عليه الصلاة والسّلام كان مهتديا بهداهم كلهم ، وبهذا كانت فضائله ومناقبه الكسبية أعلى من جميع مناقبهم وفضائلهم ، لأنه اهتدى بها كلها ، فاجتمع له من الكمال ما كان متفرقا فيهم ، إلى ما هو خاص به دونهم ، ولذلك شهد اللّه
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية 89 و 90 .