أحمد الشرباصي

49

موسوعة اخلاق القرآن

وسلامه عليه قال : « حسن الظن من حسن العبادة » . فتحسين الظن بالناس يحفظه من بغضهم وحسدهم ، ولذا كان عبادة ، كما أن سوء الظن بهم معصية . وأما سوء الظن بالله تعالى فكفر نعوذ بالله منه . والشيطان يحاول دائما إثارة سوء الظن ، وتحريكه في نفس الانسان ليؤدي به إلى المعاطب ، والسنة المطهرة تخبرنا بذلك ، فقد روت أم المؤمنين صفية بنت حيي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفا في المسجد ، فذهبت اليه وتحدثت معه ، فلما أمست انصرفت ، فقام رسول الله يمشي معها ، فمر بهما رجلان من الأنصار ، فسلما وانصرفا ، فناداهما النبي وقال : « انها صفية بنت حيي » . فقالا : يا رسول الله ، ما نظن بك إلى خيرا . فقال : « ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من الجسد ، واني خشيت أن يدخل عليكما » . ويعلق الامام الغزالي على هذا الخبر بقوله في الاحياء : « فانظر كيف أشفق صلى الله عليه وسلم على دينهما فحرسهما ، وكيف أشفق على أمته فعلمهم طريق الاحتراز من التهمة ، حتى لا يتساهل العالم الورع المعروف بالدين في أحواله ، فيقول : مثلي لا يظن به الا الخير ، اعجابا منه بنفسه ، فان أروع الناس واتقاهم واعلمهم لا ينظر الناس كلهم اليه بعين واحدة ، بل بعين الرضا بعضهم ، وبعين السخط بعضهم ، ولذلك قال الشاعر : وعين الرضا عن كل عيب كليلة * كما أن عين السخط تبدي المساويا فيجب الاحتراز عن ظن السوء ، وعن تهمة الأشرار ، فان الأشرار لا يظنون بالناس كلهم الا الشر ، فمهما رأيت انسانا يسيء الظن بالناس طالبا للعيوب ، فاعلم أنه خبيث في الباطن ، وأن ذلك خبثه يترشح منه ، وانما رأى غيره من حيث هو ، فان المؤمن يطلب المعاذير ، والمنافق يطلب أخلاق القرآن ج 4 - 4