أحمد الشرباصي

232

موسوعة اخلاق القرآن

سبحانه عليها لما بدرت منه تلك الأمور التي هي غير محبوبة . ويقال الوجل على حسب تجلي الحق للقلب ، فان القلوب في حالة المطالعة والتجلي تكون بوصف الوجل والهيبة . ويقال : وجل له سبب ، ووجل بلا سبب ، فالأول مخافة من تقصير ، والثاني معدود من جملة الهيبة . فالخوف اذن أدنى منزلة من الهيبة . والوجل يأتي من الداخل ، ويثور في الاعماق ، وليس الوجل بالمظاهر الخارجية ، ولذلك لاحظ بعض الناس على الحسن أنه يظل في مواطن الذكر أو التأثر ساكتا ، فسأله عن ذلك فقال الحسن : « وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ » ! ! . . ولذلك يفرق القرطبي بين الوجل الصادق والتظاهر بالوجل ، فنراه بعد أن يصور حال الخائفين الوجلين يعرّض بالمتظاهرين المتكلفين فيقول : « فهذه حال العارفين بالله ، الخائفين من سطوته وعقوبته ، لا كما يفعله جهّال العوام والمبتدعة الطّغام ( الأرذال ) من الزعيق والزئير ، ومن النهاق الذي يشبه نهيق الحمير ، فيقال لمن تعاطى ذلك ، وزعم أن ذلك وجد وخشوع : لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله ، والخوف منه ، والتعظيم لجلاله ، ومع ذلك فقد كانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله ، والبكاء خوفا من الله ، ولذلك وصف الله أحوال المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال : « وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ » « 1 » .

--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية 83 .