أحمد الشرباصي
104
موسوعة اخلاق القرآن
مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ » « 1 » . ولقد استظل مفسر بصير بظلال هذه الآيات الكريمة السابقة ، واستنبط منها جانبا من أحوال هؤلاء العارفين الذين يزدانون بفضيلة المعرفة ، فذكر لهم ان كلمات الله تصل إلى قلوبهم بمجرد سماعها ، « فإذا عيونهم تفيض من الدمع تأثرا ورقة وانعطافا ، وإذا ادراكهم لمدلول تلك الكلمات يتحول إلى « معرفة » لما فيها من الحق ، والمعرفة لفظة دالة على الادراك الكامل ، والتأثر بهذا الادراك ، وامتزاج الذات كلها به ، وامتزاجه بالذات ، فهي أعمق وأشمل من كلمة « العلم » لأن العلم حالة سلبية تهنى عن وصول المعلومات إلى العقل . أما المعرفة فحالة ايجابية تعني تأثر العارف بما عرف ، وتسود حالة جديدة في وعيه مما عرف . هذه المعرفة جعلت القوم هنا تفيض أعينهم من الدمع ، ذلك أن التأثر الذي غمرهم في الوهلة الأولى فاستغرقهم كان من القوة والعمق والاستغراق حتى ما يحده لفظ ، وما يعبر عنه لسان ، وحين يطغى التأثر بوجدان غامر لا يكون المجال للقول ، انما يكون المجال للدمع ، يطلق الشحنة الطاغية ، ويريح الحس والأعصاب . حتى إذا فاض الدمع ، وخف الضغط ، وهدأت الأعصاب ، انطلق اللسان « يقولون : ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين » . ربنا آمنا . . . صدقت قلوبنا واطمأنت واستقرت ، فاكتبنا مع الشاهدين : الشاهدين بأن هذا الدين حق ، وأنه من عند الله ، الآخذين أنفسهم بهذه الشهادة قبل أن يأخذوا بها سواهم ، فهم يؤمنون ويعملون بمقتضى
--> ( 1 ) سورة الزمر ، الآية 23 .