أحمد الشرباصي
103
موسوعة اخلاق القرآن
في الوجود ، بل همه أن يعمر وقته بواجبه ، حتى لا يضيع عليه واجب . ولعل كتاب الله المجيد قد أشار إلى شيء من مفهوم المعرفة الأخلاقي ، حينما قال في سورة المائدة : « وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ، فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ » « 1 » . أي إذا سمع هؤلاء ما أنزله الله عز شأنه من القرآن على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ترى - أيها الناظر - دموعهم تسيل بغزارة من عيونهم . وذلك من أجل ما عرفوه من الحق الذي بينه لهم القرآن ، ولم يمنعهم عن ذلك مانع من استكبار أو عناد أو عتو . وهذه حالهم وقد سمعوا بعضا من القرآن ، فكيف لو سمعوه كله ؟ . ان المعرفة ستكون أشمل وأكمل . ويعلق القرطبي على هذا النص الكريم ، فيذكر من أحوال العلماء العارفين بالله أنهم يبكون ولا يصعقون ، ويسألون ولا يصيحون ، ويتحازنون ولا يتموتون ، كما قال الله تعالى : « اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ
--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآيات 83 - 85 .