أحمد الشرباصي

56

موسوعة اخلاق القرآن

وهكذا نجد التنزيل الإلهي كأنه يريد لنا أن نفهم أن « التوبة » سمة أساسية من سمات الأخيار المؤمنين بالله منذ أقدم العصور . * * * [ شروط تحقق التوبة ] وليست التوبة كلمة تقال ، أو عبارة تردد ، ولكنها تتحقق بعدة أمور : منها أن يشعر الانسان بالندم على ارتكاب الخطأ أو الذنب ، ومن هنا جاء في الحديث : « الندم توبة » . وان يترك المعصية ويبتعد عنها ، وان يعزم على عدم الرجوع إليها ، وان ينتقل من مجال الخطأ إلى حقل العمل الصالح ، حتى يكون بعد التوبة أفضل مما كان عليه قبلها ، والا ينوي الاصرار على أي ذنب مهما كان صغيرا ، لان اللّه تبارك وتعالى يقول في سورة آل عمران : « وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ » « 1 » . ومن شروط التوبة الخروج من عهدة حق الآدمي ، اما بإعادة التائب هذا الحق إلى صاحبه ، إذا كانت هناك قدرة على الإعادة ، واما باستحلال صاحب الحق بعد اعلامه به ، والحديث يقول : « من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض ، فليتحلله اليوم قبل ان لا يكون دينار ولا درهم ، الا الحسنات والسيئات » . والراجح عند العلماء أنه لا يشترط على التائب أن يذكر كل شيء لصاحب الحق ، بل يكفي التعميم ، وقد بحثوا - فيما بحثوا - موضوع التوبة من الغيبة والقذف : هل يشترط ان يذهب التائب إلى من اغتابه أو قذفه ، ويذكر له ذلك ليستسمحه ؟ . واختلفوا في ذلك ، والإمام ابن تيمية يرجح عدم الذكر ، وهذا تلميذه ابن القيم يقول في ذلك - بعد أن ذكر رأي من يرى

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية 135 .