أحمد الشرباصي

55

موسوعة اخلاق القرآن

وَأُسَرِّحْكُنَّ « 1 » سَراحاً جَمِيلًا ، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً » . ويقول في سورة طه عن السحرة الذين ظهرت لهم دلائل الإيمان ، فآثروا اتباع طريق ربّهم على طريق فرعون « قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا ، فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ، إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ، وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى » . وقد حذر القرآن الكريم عباد الرحمن وخوّفهم إيثار الدنيا على الآخرة فقال في سورة النازعات : « فَأَمَّا مَنْ طَغى ، وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى » . وقال في سورة الأعلى : « بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى » . وروى الترمذي أن رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام قال : من أحبّ دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى » . ولذلك عدّ البصراء من العلماء أسمى درجات الإيثار أن يؤثر الإنسان رضى ربّه على رضى من عداه ، فيفعل المرء ما فيه مرضاة خالقه ، حتى ولو غضب المخلوق ، وهذه الدرجة من درجات الإيثار هي درجة الأنبياء والمرسلين ، وإمامهم فيها هو خاتمهم سيدنا محمد صلوات اللّه وسلامه عليه ، ومن هنا قال الإمام ابن القيم : « إيثار رضا اللّه عز وجل على غيره هو أن يريده ويفعل ما فيه مرضاته ، ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء ، وأعلاها للرسل عليهم صلوات اللّه وسلامه ، وأعلاها لأولي العزم منهم ، وأعلاها لنبينا صلّى اللّه عليه وسلم وعليهم ، فإنه قاوم العالم كلّه ، وتجرد للدعوة إلى اللّه ، واحتمل عداوة البعيد والقريب في اللّه تعالى ، وآثر رضا اللّه على رضا الخلق من كل وجه . ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم ، بل كان همّه وعزمه وسعيه كله مقصورا

--> ( 1 ) أسرحكن : كناية عن تطليقهن .