أحمد الشرباصي
49
موسوعة اخلاق القرآن
الصالحين إذا خرج من داره يقول : « اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجا لا أكون فيه ضامنا عليك » . ويقول القرآن على لسان إبراهيم عليه السّلام : « وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ » أي ثناء ثابتا يصدق صاحبه ولا يكذب فيه ، وإنما يستحق إبراهيم ذلك بطاعته لربه ، وإخلاصه العمل لوجهه تعالى . ويقول القرآن : « وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ » أي أن لهم أعمالا صالحة قدّموها بإخلاص ، يتقبلها اللّه ويثيب عليها لأن أهلها صدقوا فيها . ويقول : « إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ » ومقعد الصدق هنا هو الجنة التي لا ريب في وعد المؤمنين بها ، وإنما استحقوها بصدقهم في طاعتهم ، وإخلاصهم في عبادتهم . * * * والواقع الذي لا شك فيه أن التزام الصدق أمر يحتاج إلى إرادة صلبة ، وعزيمة قوية ، وإيمان وطيد ، واحتمال كريم لتبعات الصدق ، ولذلك قال بشر ابن الحارث « من عامل اللّه بالصدق استوحش من الناس » . وسئل ذو النون : هل للعبد إلى صلاح أموره سبيل ؟ . فأجاب قائلا : قد بقينا من الذنوب حيارى * نطلب الصدق ، ما إليه سبيل فدعاوي الهوى تخف علينا * وخلاف الهوى « 1 » علينا ثقيل وكأن ذا النون يشير بذلك إلى الجهد الكبير الذي يجب أن يبذله من ذات نفسه من شاء أن يكون متحليا بفضيلة الصدق ، وإلى أن أقوم طريق يوصل إلى الصدق هو أن يخالف الانسان هوى نفسه ، وأن يوافق الحقّ والعدل ، ومن هنا قال ابن القيم : « حمل الصدق كحمل الجبال الرواسي ، لا يطيقه إلا أصحاب العزائم » . وقال الجنيد : « حقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا
--> ( 1 ) خلاف الهوى : مخالفة هوى النفس .