أحمد الشرباصي
246
موسوعة اخلاق القرآن
كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » . فالآية تخبرنا بأن شر الناس جزاء وعقوبة ، وأسوأهم مكانا ، وأبعدهم عن الطريق المستقيم وهو الإسلام ، هم أولئك اليهود المذبذبون والمخادعون الذين يسارعون إلى الآثام ، ويتسابقون إلى أكل الحرام وارتكاب المظالم . ومن هذا البيان القرآني عن المسارعين إلى الشر نفهم أن هؤلاء إما أن يكونوا من الكافرين ، وإما أن يكونوا من المنافقين ، وإما أن يكونوا من اليهود ، وكل صنف من الأصناف الثلاثة مذؤوم مذموم أشد الذم في بيان القرآن الكريم . * * وإذا كان كتاب اللّه تعالى قد عني بفضيلة المسارعة إلى الخير كل هذه العناية ، فقد جاءت السنة المطهرة من وراء القرآن تتابعه وتشايعه ، فإذا هي تزكّي أقوى التزكية المسارعة إلى الخير ، والمبادرة إلى الطاعات ، فهذا هو عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما يقول : أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمنكبي فقال : « كن في الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل وعدّ نفسك من أهل القبور » . والمعنى : كن كشخص اغترب لحاجة ، فإذا قضاها سارع بالعودة إلى وطنه أو كن في الدنيا كالمار في الطريق لا يتلبث ولا يتوقف ، وأعدد نفسك ضمن الذين ماتوا ورحلوا ، والمراد من الحديث هو الحث على المسارعة بالأعمال الصالحة فالمستقبل مجهول : « وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » . ولذلك كان ابن عمر يروي هذا الحديث ثم يقول : « إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ،