أحمد الشرباصي

245

موسوعة اخلاق القرآن

أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ، فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ » أي يسارعون إلى موالاة غير المسلمين ومعاونتهم ، وهذه جريمة تقابلها فضيلة هي موالاة المؤمنين ، ولقد اتفق رواة التفسير بالمأثور - كما جاء في تفسير المنار - على نزول هذه الآية في المنافقين ، فهم الذين في قلوبهم مرض ، أي ان إيمانهم عليل غير صحيح ، إذ لم يبلغوا فيه مستقر اليقين ، وكان عبد اللّه بن أبيّ زعيم المنافقين ذا ضلع مع يهود بني قينقاع ، وكان غيره من المنافقين يمتّون إلى اليهود بالولاء والعهود ، ويسارعون في هذه السبيل التي سلكوها ، كلما سنحت لهم فرصة لتوثيق ولائهم وتأكيده ابتدروها ، فهم يسارعون في أعمال موالاتهم مسارعة الداخل في الشيء الثابت عليه ، الراغب فيما يزيده تمكنا وثباتا ، ولذلك قالت الآية : « يُسارِعُونَ فِيهِمْ » ولم تقل : يسارعون إليهم . ويقول القرآن أيضا في سورة المائدة : « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ ، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » . والمسارعة في الكفر فيها - كما سبق - معنى الجد والاجتهاد في أعمال الكافرين ، فهؤلاء الذين نزلت فيهم الآية لم يكونوا مؤمنين ، حتى يكون ما عملوا من أعمال الكفر انتقالا من الايمان إلى الكفر ، بل كانوا داخلين في حمأة الكفران ، بل انتقلوا سراعا من حيّز الإخفاء للكفر وكتمانه إلى حيز التصريح به وإعلانه . ويقول القرآن كذلك في سورة المائدة : « قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ، مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ، أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ، وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ، وَتَرى