أحمد الشرباصي
236
موسوعة اخلاق القرآن
الكبيرة في آية البر : « لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . . » الخ . ختم هذه الآية بقوله عن أولئك الأبرار الأخيار : « أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ » ، ولو رجعنا إلى الآية الكريمة التي فرض اللّه فيها فريضة الصوم على عباده لوجدناها تقول : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . فهناك في آية البر قال : « وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ » ، وهناك في آية الصيام : « لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » فكأن الصيام طريق يؤدي إلى تحقيق البر ، لأن البر كما قالت الآية صفة المتقين ، وكذلك يقول اللّه تعالى في سورة البقرة : « وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى » . والتقوى معنى كبير واسع ، فالتقوى وقاية وصيانة من جهة ، بالابتعاد عن كل سوء ورذيلة ، والتقوى قوة وحصانة من جهة أخرى ، بإتيان كل عمل طيب وسعي حميد . * * والبر يتفرع إلى ألوان وأنواع ، فهناك البر بالإنفاق لوجه اللّه تعالى ، وفيه يقول رب العزة : « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ » . ولقد ضرب أسلافنا أروع الأمثال في برهم بانفاق أموالهم في سبيل اللّه عز وجل ، حتى استحقوا أن يقال فيهم : « وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ، إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً » . وأن يقال فيهم : « وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » وكان منهم أبو بكر الذي بذل ماله كلّه في سبيل اللّه ، وكان منهم عثمان مجهز الجيوش ، وكان منهم عبد الرحمن بن عوف صاحب الباع الطويل في الانفاق ، وعلى قمة الأبرار الأجواد يأتي رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام الذي كان أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، فهو في جوده حينئذ كالريح المرسلة ، ولذلك استحق عن جدارة أن يوصف بأنه نبي أكبر ، وأن يخاطبه أمير الشعراء شوقي فيقول له :