أحمد الشرباصي

181

موسوعة اخلاق القرآن

لأن طريق الشيطان إلى إفساد الإنسان هو الوسوسة ، والوسوسة إنما تفسد من يكون فارغ القلب ، وأما صاحب القلب الخاشع فإنه يكون مشغولا بربه ، فإذا أقبل الشيطان عليه ليوسوس إليه لم يجد منه سميعا ولا مجيبا ، ولا يتحقق انشغال القلب باللّه جل جلاله إلا إذا كان دائم الذكر له ، دائم التعلق به ، دائم الالتجاء إليه ، دائم الاعتماد عليه ، لا يلتفت إلى سواه ؛ ولقد تكلم الإمام ابن القيم عن الخشوع كلاما أفادنا كثيرا ، وذكر فيه شيخه الإمام ابن تميمة فقال عنه انه كان يرى من لوازم الخشوع التبرؤ من نسبة أي فضل للانسان ، وتخصيص اللّه بالحول والطّول والقوة ، ولذلك قال ابن تيمية هذه الأبيات الخاشعة : أنا الفقير إلى ربّ البريات * أنا المسيكين في مجموع حالاتي أنا الظلّوم لنفسي وهي ظالمة * والخير - إن يأتنا - من عنده يأتي لا أستطيع لنفسي جلب منفعة * ولا عن النفس لي دفع المضرات وليس لي من دونه مولى يدبّرني * ولا شفيع إذا أحاطت خطيئاتي إلا بإذن من الرحمن خالقنا * إلى الشفيع ، كما قد جاء في الآيات ولست أملك شيئا دونه أبدا * ولا شريك أنا في بعض ذرّات ولا ظهير له كي يستعين به * كما يكون لأرباب الولايات والفقر لي وصف ذات لازم أبدا * كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وهذه الحال حال الخلق أجمعهم * وكلهم عنده عبد له آت فمن بغى مطلبا من غير خالقه * فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي والحمد للّه ملء الكون أجمعه * ما كان منه ، وما من بعد قد يأتي * * * وبعد ، فجمّلني اللّه وإياك بخلق الخشوع ، وجعلنا من حزبه القائمين بأمره ، المراقبين لجلاله ، المتواضعين لعظمته ، إنه أهل التقوى وأهل المغفرة .