أحمد الشرباصي

106

موسوعة اخلاق القرآن

فالمراد بالسكينة هنا هو الحالة النفسية الحاصلة بفضل اللّه وتوفيقه : من السكون ، والاستقرار ، وزوال الاضطراب والانزعاج ، والسكينة كما عرفنا وقار ورزانة وهيبة ، فالآية تشير إلى أن اللّه تباركت آلاؤه قد افرغ من سماء عزته وقدرته سكينته اللدنية على الرسول والمؤمنين ، فكانوا كالجبال الرواسي . ويقول القرآن في سورة التوبة : « إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ ، إِذْ هُما فِي الْغارِ ، إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » . وكذلك تحدث القرآن عن السكينة في سورة الفتح ثلاث مرات فقال : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ ، وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً » . وقال : « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ، وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً » . وقال : « إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ « 1 » ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى ، وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها ، وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً » . ومن هذه الآيات القرآنية التي تحدثت عن السكينة وأهلها نفهم أن لها ثمرات ولأهليها ميزات وخيرات ، فالسكينة هي قرينة النصر للمؤمنين ، ولذلك نصر اللّه عباده الأولين بهذه السكينة ، وعذب أعداءهم الكافرين ، وهي طريق التأييد الإلهي لعبده المعتصم به بجنود كثيرة مستورة ، وهي مفتاح الازدياد في الايمان ، وهي سبب لرضى اللّه تعالى ، وعنوان على طهارة قلوب المزدانين بها ، وأهلها جدراء بالثواب والفتح والمغنم ، وهم أهل التقوى القائمون بتبعاتها ، واللّه

--> ( 1 ) حمية الجاهلية : ما يصحب الجاهلية من كبرياء وأنفة .