السيد رضا الصدر
59
محمد ( ص ) في القرآن
ورأته مكّة ذات يوم يغادرها في قافلة إلى الشام يصحبه غلام لخديجة اسمه ميسرة ، ولمّا بلغ الشام باع واشترى ، وعاد مع القافلة ، فأدّى إلى خديجة تجارتها ، وأدّى إليها مع هذه التجارة ربحا لم يتح لها في تجارة قطّ . وتعلّق قلب خديجة بالفتى ، أو كان متعلّقا به قبل ذلك ، فاختار محمدا ليكون رسولا لها في تجارتها ، وقد يكون ذلك رسالة إلى قلب الفتى . وذات يوم أرسلت خديجة إلى أبي طالب بأن يخطبها لابن أخيه ، وفازت بهذه الأمنية . لقد خطبها محمّد صلّى اللّه عليه وآله وأصبح لها زوجا . فصارت خديجة وما تملكه للفتى ، وأصبح محمّد صلّى اللّه عليه وآله غنيّا وإن لم يصبح ثريّا . لم يطلب محمّد صلّى اللّه عليه وآله أن يكون رسولا في تجارة خديجة ، بل هي التي طلبت منه . كما أنّ الخطبة كانت من قبل خديجة على خلاف سنن العادات ، وليس ذلك إلّا إغناء إلهيّا . آواه ربّه وهو رضيع ، وهداه وهو طفل ، وأغناه وهو فتى قريش . ومنذ ذلك اليوم عاش محمّد صلّى اللّه عليه وآله في مكّة ، عيشا سعيدا لا يشكو حاجة ، ولا يجد ضيقا ، وقد ادّخر اللّه ثراء خديجة لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله ، كما ادّخر ذات خديجة له ، ليسكن إليها ، فلم يشهد التأريخ زواجا أسعد من ذلك الزواج . ومن المعلوم أنّ طبيعة الفقر تقضي على الفقير أن يقرع باب الغنيّ ليستعين به ويستغني بما له ، فإنّ الفاقد يتبع الواجد . كما تفرض سنّة العادة على الرجل أن يبدأ بطلب الزواج من المرأة . إنّ الرجل هو الطالب والمطلوب هو المرأة . ولكنّ الأمر انعكس في محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، طلبت منه خديجة الثريّة أن تستعين بكونه رسولا في تجارتها ، وطلبت منه طاهرة قريش - إذ كانت تلقّب بذلك - ليكون محمّد زوجا لها ، وإليك الآية الكريمة : وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى . أقبل أبو طالب ومعه نفر من قريش - وهو شيخهم - ودخل على عمرو بن خويلد عمّ خديجة ، فابتدأ أبو طالب بالكلام وقال : الحمد لربّ هذا البيت الذي جعلنا