السيد رضا الصدر
53
محمد ( ص ) في القرآن
تضحية في سبيلها . وإذا تطلّبت دعوة أناس محدودين مقدارا من الإيمان في قلب الداعية فإنّ دعوة الشعوب والأمم تتطلّب إيمانا أكثر وأفضل ؛ لأنّ ما يجابهه الداعية عندئذ يكون أصعب وأشدّ . وإنّ سعة الدعوة وسموّ الهدف يكشفان عن عمق إيمان الداعية ورسوخه في قلبه ، ومن اهتمّ بدعوة العالم كلّه فله أقوى مراتب الإيمان وأعلى درجاته . وممّا يؤثّر في صلابة الإيمان ورسوخه : الوراثة ، فإنّها من أعظم النوازع النفسية ، فكثيرا ما يرث الولد الإيمان من أبويه وهو غير شاعر بذلك . وإنّ الإيمان الموروث من الوالدين معا أقوى من الإيمان الموروث من أحدهما . كما أنّ الإيمان الموروث من جميع الأسلاف أكمل من الإيمان الموروث من سلف واحد . وإنّ اختلاف الإيمان الميراثيّ قوّة وضعفا يتبع كميّة المورّثين المؤمنين كثرة وقلّة . وممّا يؤثّر في الإيمان بشكل عميق : الوسط الذي يعيش فيه الإنسان ، فإنّه إذا كان موافقا في العقيدة والإيمان يزيد ، وإذا كان مخالفا له فقد يوجب النقص فيه . نعم ، إنّ الوسط قد يعطي العقيدة للرجل من حيث لا يشعر ، وهو مدرسة تربوية له . وكلّما كانت المدرسة راقية فإنّ الطالب يتخرّج مهذّبا عالي الشأن وعالما ، وإن غفل عن علمه أحيانا ، وهكذا . . . فإذا تجمّعت هذه الأمور كلّها في واحد - وقلّما تجتمع - فالإيمان الحاصل منها يكون أفضل الإيمان . وقد اجتمعت كلّها في محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، فهو أشرف البريّة إيمانا وأكملهم عقيدة . لقد كان أسلافه جميعا مؤمنين موحّدين بتصريح من ربّه ، وكان الوسط الذي نشأ وعاش فيه أقدس الأوساط وأفضلها وأشرفها . إنّه منذ ولادته بل وقبل ولادته كان تحت رعاية خاصّة من ربّه قد حفّت به ملائكة اللّه ، ولم يكن بينه وبين قومه إلّا صلة