السيد رضا الصدر
30
محمد ( ص ) في القرآن
لا رفعة شأنه ومدى عظمته . ومنها : ومن وجوه الإعجاز التي أثمرتها نفسه العظيمة : أنّه لم يخطئ في سيرته الاجتماعية التي كان يسلكها ، ولم يأخذ عليه أحد أيّ خطأ ، لا ممّن عاصره ولا ممّن جاء بعده . وقد أخذوا أخطاء على نوابغ الزعماء الكبار ، وعلى القواد العسكريّين المحنّكين ، وكتبت في ذلك رسائل ومقالات ، وألقيت كلمات وخطب ، ونشرت صحف وكتب . ولكن لم يقرع أحد هذا الباب ، ولم يفكّر فيه أحد من أعداء محمّد صلّى اللّه عليه وآله الألدّاء ، وما أكثرهم ، سواء في عصره أو ممّن درس حياته بعده . ومن نظر إلى سيرته الذهبيّة لا يزيده ذلك إلّا إكبارا له وإجلالا وإعجابا ، فقد كتب المفكّرون والبحّاثون من مختلف الأمم كتبا ورسائل في عبقريته وبطولته . وإنّ أصحاب العقول الصائبة وأرباب الأفكار الثاقبة جعلوا أفعاله وأقواله أسوة لأنفسهم ، ونورا لأهدافهم . إنّهم وجدوها خير طريق وأقرب سبيل للوصول إلى غاياتهم والفوز في مقاصدهم . ومنها : أنّه كان مجمعا لأوصاف متضادّة لا يجتمع أحدها مع الآخر في العادة . فلقد كان صلبا وهو ليّن العريكة ، وكان متواضعا أشدّ التواضع ، وهو إلى غاية الوقار . إنّ الصلابة لا تجتمع مع اللّين ، والوقار يشين التواضع . وكان حلو الفكاهة وهو مرّ الجدّ . وكان خطيبا مصقعا وهو اذن خير للناس ، وخير مستمع لهم يصغي لأحاديثهم ، وأهل الخطابة والنطق لا يستطيعون الإصغاء إلى الثرثارين . وقلّما تجتمع استطاعة الكلام واستطاعة الإصغاء ، إذ القدرة على كلّ واحد منهما تطارد القدرة على الآخر . ومنها : أنّه كان مطاعا في قومه ، وهو قائد عدل ، ومن ميزات القائد العدل : أنّه قليل الطواعية في قومه وجنده . إنّ القائد الّذي عرفه قومه بالعدل والشرف لا يصير فيهم مطاعا ، إذ الطواعية الكاملة للزعيم ما هي إلّا لأجل خوف قومه منه على حياتهم ، أو على ما يعزّ عليهم ، وكلا الوصفين منتفيان عن القائد العدل .