السيد رضا الصدر

31

محمد ( ص ) في القرآن

وقد تحصل الطواعية لقائد ما إذا كذب قومه وخدع صحابته فيقابلهم بالخداع والرياء ، فيهيّج حميّتهم ويثير حماسهم ، وذلك منفيّ عن القائد العدل الذي يعمل بالقسط ويأمر به . وكان محمّد صلّى اللّه عليه وآله منزّها عن جميع هذه الأوصاف ، وكان أكثر القوّاد العالميّين طاعة في جنده وصحابته ، وهم لا يخافونه ولا يرهبونه ، ولا يخشاه حتّى أصغر جنوده . ومنها : نجاحه في دعوته في مدّة قليلة لم تبلغ ربع قرن ، وقد كان قومه بين أقوام الأنبياء أشدّ قوم مع نبيّهم مناوأة له وحنقا عليه . وقد بدأ دعوته في قوم هم أكثر الناس جهلا وأنانية ، وأشدّهم تمسّكا بتقاليدهم ، وأقواهم تعصّبا لآبائهم ، ولما توارثوه من السنن والعادات . لقد كانوا مجمعا للعصبيّات : العصبيّة العنصرية ، والعصبية القطرية ، والعصبية القبليّة ، والعصبية العقائدية . فقام بدعوتهم لمحاربة هذه العصبيّات وهو فريد وحيد ، ولكنّه نجح في دعوته ؛ فلبّوا نداءه ، وخضعت له جزيرة العرب ، ودخل الناس في دينه أفواجا في سنين قلائل . ومنها : أنّه كان ثابتا في خلقه وسيرته ، لم يتغيّر بتغيّر الزمن ، ولم يتبدّل بتبدّل الأحوال ، فقد كان حين بدأ بالدّعوة غريبا بمكّة ، ورفضت قريش دعوته ، بل عاداه العرب . فكان يصلّي في المسجد الحرام سنين طوالا ، ولم يصلّ معه إلّا فتى وامرأة . وحين دخل مكّة ظافرا ، وخضعت له جزيرة العرب ، وبثّ دعوته في خارج الجزيرة وطلب من عواهل الأمم أن يدينوا بدينه ، وينقادوا للإسلام كان هو هو . وأنّه حين رجع من غزوة بدر ظافرا ، وعندما رجع من غزوة أحد غير ظافر كان هو هو . فقد كان هو هو حين كان جالسا بين كرماء أصحابه ، وهو هو حين كان واقفا بين يدي أعدائه من الكفّار والمنافقين . هو هو مع الصغير والكبير ، وهو هو مع الغني والفقير . هو هو في الحرب وفي السلم ، وفي الإقامة والسفر ، وفي السرّاء والضرّاء ، وفي الهناء والعزاء . هو هو في جميع أحواله وأوقاته ، لم يأخذه الخوف والجبن عند الانكسار ، وعند الضعف والغربة ، ولم يأخذه العجب والخيلاء عند الظفر ، وعند القوّة والعزّة .