السيد رضا الصدر

27

محمد ( ص ) في القرآن

في هذا السبيل أذى ومتاعب كثيرة ، حتّى قال : « ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت » « 1 » . كان في استطاعته استعمال العنف والقسوة وهو في مكّة ، ولو أنّه أمر أصحابه باغتيال مناوئيه في ليلة واحدة وبمحوهم عن وجه الأرض لتمكّن من ذلك ، ولو فعل لما لقي أذى ولم يذق شقاء ، ولا بلاء ، إذ لم يكن عدد زعماء مناوئيه يزيد على عدد الأصابع كثيرا ، ولكنّه لم يفعل ، إذ كان نبيّ الرحمة ، ولم يشهر عليهم السيف إلّا بعد ما شهروا هم عليه ذلك السيف ، ولم يتوسّل بالسلاح إلّا بعد أن وضع السيف على حلقه ، فقابل بالمثل ، وذبّ عن حياته وحياة من آمن به ، ولولا ذلك لأباده وأصحابه الأعداء عن وجه الأرض . لم يدرس محمّد صلّى اللّه عليه وآله في جامعة قطّ ، ولم يتلقّ درسا من معلّم ولا من أستاذ . كما أنّه لم يحضر محاضرة مفكّر ، ولم ينشأ في بيئة علم ، وإنّما نشأ في مجتمع جاهليّ يسوده الجهل ، وتخيّم عليه العصبيّة والغرور . وإنّ القرآن ينادي في مواضع شتّى : أنّ محمّدا امّي ، ولم يكذّب ذلك أحد ممّن عاصره ، ولا ممّن نشأ معه ، ولم يذكر في التأريخ عن أترابه تكذيبه في طفولته وصباه وكهولته ، فهو رجل لم يتعلّم أبدا ، ولم يدخل في حفلات أحبار اليهود ولا رهبان النصارى ، ولم يقرأ على فيلسوف من إغريق ، ولا من إيران أو غيرها من البلاد ، وإلّا لحدّث بذلك زملاؤه أو أساتذته . لقد كان رجلا أمّيا نشأ في مهد الامّيّة ، ونما في قوم هم من أشدّ الأقوام البشرية جهلا ، وأبعدهم عن العلوم والمعارف ، وأقصاهم عن الحكم والمثل والقيم . وما كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله يعرف شيئا إلّا ما كان يعرفه من عاصره من العرب في ذلك العصر من أحاديث أنديتهم ، وقصص جاهليّتهم ، وقد سمّي ذلك العصر بالعصر الجاهلي ، وهذه التسمية كانت من محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، لا يمكن أن يسمّى بهذه التسمية إلّا

--> ( 1 ) . البحار ، ج 39 ، ص 56 ، ح 8 .