السيد رضا الصدر
28
محمد ( ص ) في القرآن
العالم الخبير ومن يعرف العلم ويعرف الجهل محمّد صلّى اللّه عليه وآله امّيّا ولكنّه لم يكن بجاهل . ومن المستحيل - بحسب العادة - قراءة امّي آية من كتاب ، فضلا عن آيات كثيرة ، وفضلا عن كتاب كامل يكفل سعادة البشر ويضمن لهم خير الدنيا والآخرة . كتاب من آيات بيّنات يعجز البلغاء عن الإتيان بمثلها ، كما يعجز روّاد العلوم وفلاسفة العالم وذوو الأفكار الثاقبة عن مباراتها . أمّيّ يرشد إلى المكارم وإلى القيم إرشادا لم يسبقه إليه بشر ، ولن يلحقه بشر . فكلّ من جاء من مرشد أو مفكّر : إمّا تابع خطاه وسالك مسلكه في الإرشاد والتوجيه ، أو لم يستطع أن يأتي بما يساوي ما أتى به ذلك الأمّيّ العظيم . امّيّ لم يتعلم قراءة ولا كتابة ، ولم يقرع باب دار أستاذ ، ولكنّه بدأ بتعليم الناس الكتاب والحكمة . نعم ، بتعليم الناس جميعا ، لا بتعليم العرب خاصّة . امّيّ يجادل علماء اليهود بتوراتهم ، وقساوسة النصارى بأناجيلهم ، وقد يصفهم بأنّهم يكذبون على موسى ، ويقولون على المسيح غير الحقّ ، ويحرّفون ما عندهم من التوراة والإنجيل . امّيّ نشأ في أحضان الشرك ، وهو يحاجّ المشركين في آلهتهم تلك الّتي يعبدونها ويجعلونها أندادا للّه ، ويتّخذونها لأنفسهم أربابا . امّيّ نشأ في مهد الأميّة وحضن الوثنية ، ولكنّه يكافح الجهل ويجاهد عبّاد الأصنام ويخطئهم ويستهزئ بآلهتهم ، ويخبرهم بأنّهم يعبدون ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ، ولا يأتيهم بخير ، ولا يدفع عنهم شرا . امّيّ فتح عينيه في بلد الجهل ، وترعرع في عصر الجهل ، ونما في بيئة الجهل ، ولكنّه يدعو إلى العلم ، ويزجر عن الجهل ، ويفضّل العالم والعارف ويدعو إلى إكرامه . امّيّ يشرح للناس دينا قيّما ، وشريعة عالمية سمحة سهلة تنفعهم في دنياهم ، وتعصمهم من النار في آخرتهم ، وتهديهم إلى الجنّة . لم تر عين البشرية مثل هذا الرجل الامّي ، لا قبله ولا بعده ، ولم يقرع سمعها