السيد رضا الصدر

26

محمد ( ص ) في القرآن

غاية السماح . نادى محمّد صلّى اللّه عليه وآله بإلغاء النظام الطبقيّ السائد في عصره ، وأتى بنظام المساواة الذي يساوي فيه الإنسان الإنسان ، وجاهر بأنّه « لا فضل لعربي على أعجمي » « 1 » ولا لغنيّ على فقير ، ولا لذوي البيوت الكريمة على غيرهم في نظام المساواة . وقد هذّب المحاكم والسلطة القضائية ، وكافح الأحكام التي نتجت عن الحبّ والبغض والشهوة والغضب ، وأحلّ السلطة القضائية محلّ العدل والإنصاف ، وأخرجها عن منصّة الظلم والتعسف ، فجعل من الأشقياء سعداء ، ومن الأذلّة أعزّاء ، وجهد في تطهير المجتمع البشريّ من الأدناس النفسية والأرجاس الروحية ، وسعى إلى تحطيم من جعل من نفسه صنما ومخدوما . إنّ دعوة محمّد صلّى اللّه عليه وآله لم تقم على القهر والغلبة ، فهو لم يفرض دعوته على أحد ، بل جعل الناس أحرارا في قبولها ورفضها إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً « 2 » . ومن ميزات دعوة محمّد صلّى اللّه عليه وآله : أنّها كانت دعوة داخليّة قائمة بالنفوس قبل أن تكون خارجيّة قائمة بالأعمال ، فكانت دعوته مرتكزة على الإيمان ، وموطن إيمان المؤمن قلبه ، والقلب أمير اليد واللسان وسائر الجوارح ، وإنّما الجوارح عمّال القلوب وعملاؤها . ومن الواضح أنّه يستحيل دعوة القلوب عن طريق القهر والغلبة ، فلا سبيل إلى التسلّل إلى القلوب إلّا بالحكمة والرحمة والموعظة الحسنة . ولقد بدأ محمّد صلّى اللّه عليه وآله بالتهذيب النفسي ، وهذا يستحيل أن يكون بالضغط والقوّة ، وكان أنفذ سلاح غلب به خصومه هو الخلق العظيم والرحمة الواسعة ، ومن ثمّ لقّب بنبيّ الرحمة ، رحمة على القريب والبعيد ، ورحمة على العدو والصديق ، وتلقّى

--> ( 1 ) . الاختصاص ، ص 337 ؛ تحف العقول ، ص 34 . ( 2 ) . الإنسان ( 76 ) الآية 3 .